الحرية- إلهام عثمان:
في ظل مرحلة التعافي وإعادة الإعمار التي تشهدها سوريا، يبرز سؤال جوهري لدى العديد من السوريين ذوي الخبرات والمهارات: كيف نحول قدراتنا إلى مصادر دخل مستدامة؟ وأن تحول المهارات البسيطة، كالرسم أو التصليح أو التدريس أو البرمجة، إلى دخل شهري ثابت دون أن يهاجر شبابنا؟ بعيداً عن انتظار الوظيفة التقليدية.
قالب تسويقي
هذا السؤال يجيب عنه الخبير الاقتصادي والمستشار في تنمية المشاريع الصغيرة بسام الحلبي من خلال حواره مع “الحرية”، والذي يرى أن الإجابة لا تكمن في السؤال “هل أعمل أم لا؟”، بل في سؤال أكثر عمقاً: كيف أعيد تركيب مهارتي لتناسب السوق السورية اليوم مع الحفاظ على حريتي في الابتكار؟
ويبين الحلبي أن المهارة الواحدة يمكن أن تنتج أربعة مستويات مختلفة من الدخل، وفقاً لطريقة تقديمها وليس وفقاً لنوعها، لكن هذه المستويات الأربعة لا يمكن تطبيقها في سوريا بمعزل عن سياق وطني يراعي التحديات الحقيقية والفرص المتاحة، وفي مقدمتها حرية اختيار القالب التسويقي للمهارة.
التدريب المباشر للأفراد
ويبدأ الحلبي باستعراض الركيزة الأولى، وهي تحويل المهارة إلى دورات تدريبية موجهة للأفراد، ويقول: هذا النموذج الأنسب للسوريين الراغبين في البدء بسرعة، حيث يمكن تقديم جلسات تعليمية مباشرة في الأحياء أو عبر المراكز المجتمعية، مبيناً أن المطلوب فقط مكان صغير أو حتى التدريب عبر منصات محلية مع دعم بسيط بالكهرباء والإنترنت، هنا يتحقق الحرية في الوصول إلى المتعلم دون وسيط.
عقود تدريب مع الشركات والمؤسسات
في المستوى الثاني يرى الحلبي أن القيمة المالية للمهارة نفسها ترتفع عندما يتحول العميل من فرد إلى شركة أو مؤسسة، عبر ورش عمل متخصصة لموظفي الشركات الخاصة أو العامة بموجب عقود قصيرة أو متوسطة المدى يدر دخلاً أعلى بكثير، مشيراً إلى أن هذه هي حرية التفاوض المباشر مع السوق المؤسسي؛ أي نغير العميل، لا نغير المهارة.
التحول إلى محتوى رقمي
أما المستوى الثالث فيتعلق بالاقتصاد الرقمي، حيث يقول الحلبي: رغم تحديات الكهرباء والإنترنت في بعض المناطق، لا يزال بإمكان السوري تحويل مهارته إلى محتوى رقمي (فيديوهات، أدلة، تطبيقات بسيطة يباع مرة واحدة ويُدر دخلاً متكرراً عبر اشتراكات أو منصات محلية أو إقليمية، وأن الحل ليس في استيراد منصات أجنبية، بل في بناء محتوى يناسب احتياجات السوق السورية، هذا النموذج يمنح صاحبه الحرية في كسر قيد الزمان والمكان، حيث يعمل المنتج مرة ويجني ثماره مراراً.
الاستشارات المتخصصة للنخبة
وهنا يقدم الحلبي المهارة كاستشارات مخصصة لحالات معقدة أو لنخبة من العملاء، مضيفاً أن الجلسة الاستشارية الواحدة يمكن أن تسعر بأجر مرتفع جداً إذا قدمت حلولاً مصممة خصيصاً لعميل معين – كصاحب مصنع أو مستثمر عقاري، وهذا يتطلب سمعة وخبرة، لكنه ممكن عبر شبكات المعرفة والثقة، هنا تتحقق حرية التسعير وفق القيمة الحقيقية، بعيداً عن المقاييس الجامدة.
التعافي السوري
كما يشير الحلبي إلى نقطة جوهرية ويقول: إن هذه المستويات الأربعة لا تنجح تلقائياً في أي مجتمع، وأنها تحتاج إلى عناوين عاجلة لتهيئة المناخ، منها: تطوير آليات الدفع الإلكتروني ولو بشكل تدريجي، لتسهيل تحصيل أثمان الدورات والاستشارات، وهو ما يعزز الحرية المالية للمدرب المستقل.
وإصدار تراخيص مبسطة للمدربين والاستشاريين الأفراد، لا تستغرق أكثر من أسبوعين، عبر منصة رقمية واحدة، كضمان لـ حرية الممارسة المهنية دون بيروقراطية خانقة.
كما يمكن ذلك عبر دعم المؤسسات الرسمية (كوزارة الاقتصاد، اتحاد الغرف، هيئة تنمية المشاريع الصغيرة) لحاضنات الأعمال التدريبية، وتقديم حوافز ضريبية للشركات التي تتعاقد مع مدربين محليين، بما يشجع «حرية التعاقد».
وأخيراً عن طريق تخفيف أعباء الكهرباء والإنترنت عن مقدمي المحتوى الرقمي عبر مساحات عمل مشتركة مدعومة بالطاقة البديلة، لتوفير حرية الإنتاج الرقمي المتواصل.
ويضيف الحلبي: من دون هذه البيئة التمكينية، تبقى الحلول الأربعة نظرية. لكن مع تبنيها تدريجياً، يمكن أن تشكل رافعة حقيقية للاقتصاد السوري، وتخفف من البطالة المقنعة، وتشجع على الإبداع بدل الهجرة. المطلوب جرعة من الحرية المنظمة، لا الفوضى ولا القمع.
المهارات لا تباع
ويخلص الحلبي إلى القول: إن المهارات لا تُباع بسعر واحد في أي بلد، بل بنفس طريقة تقديمها، لكن في سوريا تحديداً، نحتاج إلى إضافة الطبقة الخامسة: وهي التكيف مع الواقع وتحسينه بالتوازي، وليس انتظار الظروف المثالية، وأن من يبدأ اليوم ولو بأبسط نموذج، سيكون في مقدمة المستفيدين من طفرة التعافي المقبلة، فالحرية الحقيقية تبدأ عندما تحول ما تجيده إلى دخل، بدلاً من أن تنتظر من يوظفك.