المطبخ السوري.. أطباق تأسر القلوب بأسمائها قبل مذاقها

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية- إلهام عثمان:

على مائدة سورية قديمة، لا تكفي الأطباق لتكون شهية فحسب، بل تحمل في طياتها حكايات وطرائف تجعل منها مادة دسمة للذاكرة قبل المعدة، فالمطبخ السوري، بتاريخه الممتد وتنوعه الجغرافي، يزخر بأطباق قد تثير الدهشة لمن لم ينشأ عليها، إما بمكوناتها غير المألوفة، أو بأسمائها التي تحاكي الواقع الشعبي بروح مرحة، غير أن هذه الأطباق، الغريبة في ظاهرها، تمثل تراثاً حياً ينبض بالحكايات والابتكارات التي تناقلتها الأجيال.

أطباق غريبة المكونات.. أصيلة النكهة

في حوار مع “الحرية”، استعرض الشيف هادي بختيار مجموعة من الأكلات السورية القديمة التي تثير الفضول بمكوناتها، وتكاد تكون حكراً على المطبخ الدمشقي العريق: ومنها:

• السندوانات (القباوات): أمعاء الخروف المحشوة بخليط من الأرز واللحم المفروم والمكسرات، تحتاج هذه الأكلة إلى عناية فائقة في التنظيف، ثم تُطبخ لساعات حتى تكتسب قواماً هشاً ونكهة لا تُقاوم. إنها من الأطباق الشعبية التي تعكس براعة السوريين في استثمار كل جزء من النعمة.

• المقادم (الكوارع): أرجل الخروف أو العجل، تغلى على نار هادئة لساعات حتى يذوب الجيلاتين، فتصبح طعاماً غنياً بالفوائد، خاصة لصحة الأعصاب والمفاصل،و تُقدم غالباً مع الفتة (خبز مبلل بالمرق، ثوم، وليمون) لتشكل وجبة دسمة شتوية بامتياز.

• النخاعات واللسانات: مخ الخروف (النخاع) يُقلى أو يُسلق، ويُقدم مع تتبيلة حمضية. أما اللسان فيُطهى حتى يلين، ثم يُشرّح ويُقدّم مع صلصة الثوم والليمون، كلا الطبقين يمثلان مذاقاً تقليدياً أصيلاً.

• الكمأة (بنت الرعد): يشبه حبات البطاطس المتعرجة، له طعم ترابي فريد وقيمة غذائية عالية، ما يفسر سعره المرتفع، يُطبخ غالباً مع اللحم أو السمن العربي، ويُعتبر من كنوز الطبيعة السورية.

• الشنكليش: جبن حليب مخض، يُجفف ويُكور ثم يُغطى بالزعتر البري أو الفليفلة الحمراء، ويُترك ليتخمر (في عملية شبيهة بالتعفن المتحكم به) حتى يكتسب نكهة حادة ورائحة نفاذة. تشتهر به المناطق الساحلية، ويُقدم مع زيت الزيتون والبندورة كفاتح شهية.

أسماء طريفة.. وقصص شعبية لا تُنسى

لا تقتصر طرافة المطبخ السوري على مكوناته، بل تمتد إلى أسمائه التي تحمل قصصاً اجتماعية وطرائف شعبية، و يتابع الشيف بختيار سرد حكاياته في ذكر بعض امن تلك الأسماء الدمشقية الظريفة:

• حراق إصبعه: طبق متواضع من العدس والخبز المحمص ودبس الرمان، تروي الحكاية أن فقيراً كان يحرق إصبعه عمداً ليسقط فتات الخبز المحروق في الطبخ، فيشبع به، الاسم يحمل مأساة إنسانية لكنه يُروى بروح الدعابة الشعبية.

•أما ستي زبقي (اهربي): طبق سريع التحضير، وكأنه يقول لربة المنزل “اهربي” من عناء الطبخ. غالباً ما يكون مزيجاً بسيطاً من البيض والخضر.

• وطباخ روحو: أكلة كوسا باللبن أو يخنة خضار لا تحتاج إلى مراقبة مستمرة، فهي “تطبخ نفسها بنفسها”.

•  جظ مظ: البيض المقلي مع البندورة، واسمه محاكاة صوتية لصوت قلي البيض في المقلاة. (زيزينة البيض).

• أبو شلهوب: طبق من البرغل والكوسا، يحمل اسماً عائلياً مرحاً.

• ليالنجي: ورق عنب أو باذنجان محشي بخضر والرز (من دون لحم)، اسمه يحمل نغمة موسيقية.

• رموش الست: حلوى شتوية تشبه المعمول، واسمها يوحي بالرقة.

• الباشا وعساكره: طبق يجمع بين الكبب المحشوة (الباشا) وحبات الشيشبرك الصغيرة (العساكر) في مرق اللبن، وكأنها معركة طهو منظمة.

ومن الأطباق الأخرى ذات الأسماء الطريفة: الططربرك، الشلباطو (يقطين ولحم)، أبو بسطي، يهودي مسافر، الباسمشكات، مسلم هربان، كبة شخاخة، والششبرك أو اذنين الشايب  أو أذنين القطة وغيرها.

جولة في تراث المحافظات السورية

لكل محافظة سورية طابعها الخاص في المطبخ، وأسماء قد تكون غريبة على من لم ينشأ فيها، لكنها تمثل هوية الطهو المحلي:

• دمشق: الناطف (حلوى بيضاء تُصنع من بياض البيض والسكر).

• حلب: تشتهر بالكبة النية، الكرزية (لحم بالكرز الحامض)، السفرجلية، والكباب الحلبي الذي يقدم مع النعناع والزيت.

• إدلب: تتفرد بالقراصية (نبات القراص المطبوخ مع البصل والعدس)، ومن الحلويات الشعيبيات.

• الساحل السوري: السمكية (سمك بصلصة الجوز والرمان)، المحمرة (أرز مع سكر وسمن)، الصيادية، ومن الحلويات الجزرية والكبيبات (كبة محشوة بالسلق).

• دير الزور: المجبوس (أرز باللحم والبهارات)، والحلو الكليجة، والمليجة.

• درعا: المليحي، الرقاقة (المكامير)، ومن الحلو الزقيات.

• حمص: الكبب الحمرا (كبب باللبن) تزين الولائم.

• القنيطرة: المنسف (لحم مع جميد) طبق الكرم الضيافة.

• السويداء: المجدرة السويدائية بنكهتها الخاصة.

أطباق ظريفة في البلاد العربية

ويبين بختيار أن لا المطبخ العربي لا يخلو أيضاً من أسماء طريفة، وإن كانت تختلف في سياقاتها الثقافية، ففي المغرب نجد “الرفيسة العمية” و”مخ الشيخ”، وفي الجزائر “القاضي وجماعتو” و”سكران طايح فالدروج”، وفي السعودية “المفطح”، ومصر تشتهر بالفسيخ والكشري، والعراق بسمك المسقوف. تبقى هذه الأسماء دليلاً على أن روح الدعابة والإبداع الشعبي تتجلى في مطابخ الأمة جمعاء.

بين البساطة والإبداع

يبقى المطبخ السوري لوحة فسيفسائية نابضة بالحياة، تجمع بين الغرائبية والألفة، بين البساطة والإبداع. هذه الأطباق ليست مجرد وجبات تُسد بها الرمق، بل هي حكايات شعبية ووثائق اجتماعية تعكس حياة السوريين عبر العصور. وإن كان بعضها يبدو غريباً للوهلة الأولى، فإنه يختزن في طياته تراثاً غنياً يستحق الاكتشاف والتذوق. فالحفاظ على هذه الأسماء والوصفات هو حفاظ على جزء من الهوية السورية التي تنتقل من جيل إلى جيل، لتبقى المائدة السورية شاهداً حياً على أصالة هذا البلد وتاريخه العريق.

Leave a Comment
آخر الأخبار