الحرية – سناء عبد الرحمن:
يقف الاقتصاد السوري اليوم عند مفترق طرق حاسم، تتجاذبه أعباء الماضي الثقيلة ومحاولات حثيثة لاستشراف المستقبل، في ظل مؤشرات أولية لتحسن نقدي ومالي واقتصادي، تقابلها تحديات هيكلية عميقة تعيق أي تعافٍ مستدام.
المدرس بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا الدكتور وجد رفيق الصائغ يؤكد لـ”الحرية” أن الاقتصاد السوري يمكن وصفه اليوم بأنه «اقتصاد قدماه في الماضي ورأسه يطل على نافذة المستقبل»، مشيراً إلى أن البلاد شهدت تحولات اقتصادية متباينة، تمثلت في سياسات نقدية ومالية أولية، ومحاولات إصلاح، إلى جانب إطلاق عملة جديدة مطلع عام 2026 بهدف استقرار السوق النقدية، إلا أن تطبيق هذه الإصلاحات اصطدم بتحديات بنيوية اقتصادية ومؤسساتية.
إصلاحات تصطدم بجدار بنيوي
ويؤكد الصائغ أن الإصلاحات المعلنة اصطدمت بتحديات هيكلية عميقة انعكست سلباً على الوضع الاقتصادي، في ظل بنية اقتصادية منهكة وغير مهيأة لاستيعاب التحول المطلوب، ويعزو الصائغ جانباً كبيراً من الأزمة إلى تركة الماضي، ولا سيما عزل الاقتصاد السوري عن الاقتصاد العالمي، وخاصة القطاع المصرفي، ما أدى إلى تراجع الاستثمارات الأجنبية ونضوبها، وانهيار الصناعات والاستثمار الخاص، وصولاً إلى توقف شبه كامل لعجلة الاقتصاد.
هياكل مترهلة وهيمنة القطاع العام
ويشير إلى أن الهياكل الاقتصادية القديمة والبيروقراطية الواسعة وبنية الدولة المنهكة، إلى جانب هيمنة القطاع العام على الناتج الصناعي والخدمات الأساسية، حدّت من القدرة التنموية للدولة، وجعلت الاقتصاد أقل مرونة في مواجهة الصدمات.
استقرار غير مضمون
ويشرح الصائغ أن انهيار الليرة وارتفاع الأسعار مشكلات ورثتها البلاد، أديا إلى تآكل القوة الشرائية للمواطنين، لافتاً إلى أن سعر الصرف شهد تقلبات حادة، إذ وصل إلى نحو 15,000 ليرة للدولار قبل أن يتحسن حالياً إلى ما بين 11,500 و12,000 ليرة.
كما يلفت إلى أن احتياطي النقد الأجنبي لدى مصرف سورية المركزي، والمقدّر بنحو 200 مليون دولار، يقيّد قدرة الدولة على إدارة سعر الصرف ودعم الاستيراد.
أزمة النظام الضريبي
ويعتبر الصائغ أن التهرب الضريبي الواسع وانهيار الثقة بين المواطنين والنظام الضريبي يمثلان تحدياً رئيسياً، نتيجة تحوّل النظام الضريبي إلى أداة جباية تفتقر إلى الشفافية والعدالة، في ظل عوامل سياسية ومالية واجتماعية معقدة.
بيئة طاردة للاستثمار
ويشدد الصائغ على أن عدم معالجة آثار الحرب، مثل الفساد وغياب الشفافية وعدم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، جعل البيئة الاستثمارية في سوريا تفتقد لأبسط مقومات الجذب، في ظل هشاشة الاستقرار المعيشي واستمرار الانقسامات المجتمعية، ما يخلق اقتصاداً هشاً وطاردًا للاستثمار طويل الأمد.
مؤشرات تحسن
ويصف الصائغ رفع العقوبات الدولية بأنه «أهم نهضة اقتصادية إيجابية»، بعد سنوات طويلة عاش خلالها السوريون تحت وطأة العقوبات، كما يشير إلى بدء فك العزلة عن النظام المصرفي عبر العودة إلى نظام “سويفت” (SWIFT)، وتوقيع اتفاقية مع شركة “فيزا” العالمية لوضع خارطة طريق لمنظومة المدفوعات الرقمية.
نمو اقتصادي وتراجع التضخم..
ويلفت الصائغ إلى تصريحات حاكم مصرف سورية المركزي عبد القادر الحصرية، التي تحدث فيها عن نمو اقتصادي يفوق تقديرات البنك الدولي البالغة 1% لعام 2025، إضافة إلى تراجع التضخم من 170% إلى نحو 15%، مدفوعاً بتحسن سعر الصرف وفتح باب الاستيراد وخفض الرسوم الجمركية.
تحول نحو اقتصاد السوق
ويقول الصائغ: الحكومة السورية تحاول الانتقال من اقتصاد مركزي موجه إلى اقتصاد سوق حر، عبر خطوات متدرجة شملت خصخصة بعض الموانئ والمصانع، ورفع الدعم عن الخبز والكهرباء، وزيادة الرواتب بنسبة 200%، مع تركيز على قطاعات القضاء والتعليم والصحة.
ويشير إلى انطلاق مشاريع بنى تحتية محدودة في مجالات الكهرباء والطرق والمعابر الحدودية، بتمويل إقليمي ودولي، إضافة إلى توقيع اتفاقية استثمار لإنشاء حوض سفن متكامل في مرفأ طرطوس، معتبراً أن هذه الخطوات تعكس بداية خروج من العزلة الاقتصادية.
ويخلص الدكتور الصائغ إلى أن التحسن الاقتصادي الحالي يمثل خطوة أولى فقط، مؤكداً أن التعافي الحقيقي والمستدام يتطلب إعادة إعمار شاملة، وبناء مؤسسات فاعلة، وتعزيز القدرات البشرية، واستعادة الثقة بالمستقبل، باعتبارها الركيزة الأساسية لأي نهوض اقتصادي في سوريا.