إعادة الإعمار تنطلق.. ما هي ملامح الاستراتيجية الاقتصادية الشاملة الواجب اتباعها؟

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية ـ مها يوسف:
يشكّل الإلغاء الكامل للعقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا منعطفاً تاريخياً في مسار التعافي الوطني، وفرصة حقيقية لإعادة بناء الاقتصاد واستعادة الاستقرار.
وفي ظل المتغيرات الإقليمية والدولية، تبرز الحاجة إلى رؤية اقتصادية متكاملة تترجم هذا التحول إلى نتائج ملموسة على حياة المواطنين.
الأكاديمي والمستشار في جامعة دمشق الدكتور زياد أيوب عربش أكد أن إلغاء قانون قيصر يشكّل نقطة تحوّل مفصلية في المسار الاقتصادي والسياسي لسوريا، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها إعادة الإعمار واستعادة التعافي الاقتصادي، وخطوة أساسية لفتح آفاق الاستثمار وتحريك عجلة الإنتاج.
وأوضح عربش في تصريح لـ”الحرية” أن تهنئة الرئيس أحمد الشرع للشعب السوري برفع العقوبات تؤكد بوضوح الدخول في مرحلة البناء، مشيراً إلى أن المسؤولية اليوم تقع على عاتق السوريين ومؤسساتهم، إذ لم تعد هناك مبررات للتأخير، واعتبر أن هذه المرحلة تمثل فرصة حاسمة لوضع البلاد على الطريق الصحيح من خلال الإدارة الرشيدة، وتهيئة مناخ جاذب للاستثمار، والتحول الرقمي للحد من الهدر، وخلق فرص عمل حقيقية، إضافة إلى بناء شراكات استراتيجية مع دول الخليج وتركيا لتحقيق الاستقرار المالي.

الأثر المباشر

بيّن عربش أن الأثر الفوري لإلغاء قانون قيصر تمثّل بانخفاض سعر الصرف بنحو 8% ليصل إلى حدود 11.300 ليرة للدولار، نتيجة زيادة تدفق الدولار عبر تحرير الحسابات والمعاملات المالية، أما على المدى المتوسط، فمن المتوقع تسجيل تدفقات تجارية واستثمارية، ولاسيما في قطاعات الطاقة والمعادن.
وأكد الخبير الاقتصادي أن تحقيق نتائج إيجابية مستدامة يتطلب اعتماد استراتيجية اقتصادية شاملة تشمل السياسات المالية والنقدية والمصرفية والتجارية، إلى جانب تسريع إقرار التشريعات اللازمة عبر مجلس النواب، وإطلاق إصلاح مؤسسي في قطاعات البنوك والتأمين والرقابة.
كما شدد على أهمية العمل لإطلاق عملة وطنية جديدة خلال ستة أشهر، مع إشراك القطاعين العام والخاص والنقابات المهنية.
وأشار عربش إلى ضرورة تفعيل الاتفاقيات التجارية القائمة، واعتماد آليات تقييم دوري كل شهرين أو 6 أشهر، محذراً من أن التحسن الاقتصادي سيكون حقيقياً فقط إذا أُدير بكفاءة، وإلا فإن مخاطر عودة التضخم تبقى قائمة.

فرص الاستثمار

ومع فتح أبواب الاستثمار والإنتاج، أوضح عربش أن سوريا تمتلك فرصة جزئية لتدفق استثمارات تتراوح بين 3 و5 مليارات دولار في قطاعات الطاقة والزراعة والصناعة، بالتوازي مع استعادة التعاملات المصرفية الطبيعية.
وأكد الدكتور عربش أن نجاح هذه الفرصة مشروط بتوافر استراتيجية متكاملة، وإصلاح مؤسسي يعيد بناء الثقة، وتفعيل الاتفاقيات الدولية، وسن قوانين واضحة لحماية الاستثمارات، مع الالتزام بالتقييم الدوري لضمان تحقيق نمو مستدام لا يقوم على استنزاف الأصول.

تحديات قائمة

وحذّر عربش من استمرار جملة من التحديات، أبرزها تدمير جزء كبير من البنية الإنتاجية، ونقص التمويل ورأس المال، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، إضافة إلى مخاطر الفساد المحتملة.
وشدد على أن المرحلة الحالية تتطلب استراتيجية فورية تترافق مع إعادة هيكلة الموازنة العامة، واعتماد إدارة رشيدة، وإشراك مختلف الفاعلين الاقتصاديين لتصحيح المسارات وضمان تحقيق نتائج فعلية.

الاستقرار النقدي

وفيما يتعلق بالاستقرار النقدي، أوضح عربش أن ملامحه ستتحدد بشكل أساسي في موازنة عام 2026، المقدّرة بنحو 15 مليار دولار، مع تخصيص 30% منها للدعم النقدي.
ودعا إلى عقد جلسة لمجلس النواب خلال أسبوعين لإقرار حزمة قوانين تتعلق بالاستثمار والضرائب ومكافحة غسل الأموال، بما يسهم في جذب التحويلات المالية وبناء شراكات إقليمية وأوروبية فاعلة.

الحوكمة والثقة

وبيّن عربش أن الحوكمة الرشيدة تشكّل الأساس في بناء الثقة، من خلال إصلاح القطاع المصرفي تحت إشراف مصرف سوريا المركزي ومجلس النقد، والالتزام بمعايير بازل الدولية، وتعزيز آليات مكافحة الفساد.
كما شدد على أهمية تفعيل الاتفاقيات الاقتصادية خلال السنوات الست المقبلة مع أوروبا ودول الخليج وتركيا، عبر اتفاقيات تجارة حرة، وقوانين حماية الاستثمارات، ومراقبة تدفقات الأموال والتضخم، مع التركيز على تحسين القدرة الشرائية وتحقيق نمو اقتصادي مستدام.

شراكة المرحلة

وختم عربش بتأكيد أن نجاح المرحلة المقبلة يتطلب شراكة حقيقية بين الحكومة والمواطنين، عبر خطة فورية واضحة، ومشاركة شاملة، وتقييم مستمر للأداء، بما يعيد سوريا إلى موقعها الطبيعي في الصدارة الاقتصادية إقليمياً.

Leave a Comment
آخر الأخبار