الحرية – نهلة أبو تك:
لم تعد إعادة الإعمار في سوريا ملفاً تقنياً مؤجلاً أو عنواناً سياسياً فضفاضاً، بل تحوّلت إلى استحقاق اقتصادي مصيري يضع البلاد أمام خيارين لا ثالث لهما ، فإما تنمية حقيقية تعيد بناء الاقتصاد الوطني على أسس إنتاجية مستدامة، أو فشل يعيد إنتاج الأزمات المعيشية بصيغ أشد قسوة.
فبعد سنوات طويلة من الاستنزاف، لم يعد السؤال المطروح متى تبدأ إعادة الإعمار، بل كيف تُدار؟ وبأي منطق اقتصادي؟ ولصالح أي نموذج تنموي؟ وهي أسئلة لم تعد تحتمل الإجابات العامة أو الحلول المؤقتة.
إعادة الإعمار مشروع اقتصادي لا ورشة ترميم
الخطأ الجوهري الذي يهدد مسار إعادة الإعمار في سوريا يتمثل في اختزالها بترميم الأبنية والبنى التحتية، في حين أن جوهر الإعمار الحقيقي هو إعادة بناء الاقتصاد الوطني بكامل حلقاته الإنتاجية، من الطاقة والزراعة إلى الصناعة والنقل، وصولاً إلى سوق العمل والخدمات.
فبناء مدن بلا اقتصاد منتج، أو إطلاق مشاريع بلا تشغيل فعلي، لا يعني إعماراً، بل نقل للأزمة من شكلها العسكري إلى شكلها المعيشي، مع ما يحمله ذلك من تضخم، وبطالة، وتآكل مستمر في القدرة الشرائية.
ومن هنا، يصبح السؤال الحاسم من يقود إعادة الإعمار؟ وهل ستكون الشركات الوطنية في قلب العملية الاقتصادية، أم مجرد منفذ هامشي في مشاريع كبرى لا ينعكس أثرها على الداخل؟
الشركات السورية في قلب معادلة الإعمار
في هذا السياق، يؤكد الصناعي والخبير الاقتصادي إبراهيم الطيب أن نجاح إعادة الإعمار مرتبط بشكل مباشر بتمكين الشركات السورية ومنحها دور الشريك الأساسي في العملية الاقتصادية، لا الاكتفاء بدورها كمقاول ثانوي.
ويرى الطيب أن إعادة الإعمار تمثل فرصة تاريخية لإعادة الاعتبار للصناعة الوطنية، شريطة أن تُدار بمنطق إنتاجي تنموي، لا بمنطق استهلاكي أو ريعي، محذراً من أن تجاهل هذا البعد سيحوّل الإعمار إلى عبء اقتصادي بدل أن يكون رافعة للنمو.
تحرير الجزيرة… نقطة تحوّل في القدرة التنافسية
ويشير الطيب إلى أن تحرير الجزيرة السورية واستعادة الدولة السيطرة على مواردها شكّل تحوّلاً اقتصادياً بالغ الأهمية، إذ أعاد فتح شريان حيوي أمام الصناعة الوطنية، سواء من حيث توفر مصادر الطاقة، والمواد الأولية، أو تحسين الربط اللوجستي بين المناطق.
ويضيف إن عودة هذه الموارد إلى الدورة الاقتصادية الوطنية لا تعني فقط تعزيز الإيرادات العامة، بل خفض كلفة الإنتاج وتحسين القدرة التنافسية للشركات السورية، بعد سنوات من العمل في بيئة غير متوازنة، ما يؤهلها اليوم للمشاركة الفعلية في مشاريع إعادة الإعمار.
منافسة أو شراكة… لا إقصاء
ويشدد الخبير الاقتصادي على أن السؤال المطروح لم يعد متعلقاً بقدرة الشركات السورية على المنافسة، بل بكيفية تمكينها للدخول في شراكات متوازنة مع الشركات الخارجية، تقوم على نقل التكنولوجيا وتبادل الخبرات، لا على الإقصاء أو التبعية أو تحويل السوق السورية إلى ساحة تنفيذ مغلقة.
ويؤكد أن الخبرة التي راكمتها الشركات السورية خلال سنوات الحرب، وقدرتها على الصمود والاستمرار في ظروف صعبة، تشكل رصيداً حقيقياً يؤهلها للدخول بثقة في مشاريع الإعمار، شرط توفر تشريعات واضحة، وتمويل منظم، وحماية فعلية للسوق من الاحتكار، إضافة إلى إعطاء الأولوية للشركات الوطنية في المشاريع الاستراتيجية.
بيئة الاستثمار الاختبار الحقيقي لنجاح الإعمار
نجاح إعادة الإعمار، كما يوضح الطيب، لا يُقاس بحجم الأموال المعلنة، بل بنوعية البيئة الاستثمارية التي تُدار ضمنها العملية، والتي تتطلب استقراراً تشريعياً وشفافية في العقود، وآليات تمويل واضحة مع ربط المشاريع بالعائد الإنتاجي لا بالعناوين السياسية، فبدون هذه الشروط، تتحول إعادة الإعمار إلى سوق مفتوحة للمضاربة بدل أن تكون أداة لإعادة بناء الاقتصاد الوطني.
التنمية لا الإغاثة
كما يرى الطيب إن إعادة الإعمار الناجحة هي التي تخلق فرص عمل مستدامة، تعيد تشغيل المعامل وتخفف الضغط عن العملة والأسواق وتقلّص الفجوة الاجتماعية، أما ضخ الأموال دون رؤية اقتصادية واضحة، فلا يؤدي إلا إلى تضخم أعلى، وأسعار أكبر، وإحباط معيشي أعمق.
المواطن معيار النجاح
يبقى المواطن هو المؤشر الحقيقي لنجاح أي عملية إعمار، هل تحسّن دخله؟ وهل توفرت فرص عمل حقيقية؟
وهل انخفضت تكلفة السكن والخدمات؟ فأي إعمار لا ينعكس مباشرة على هذه المؤشرات، يبقى إنجازاً شكلياً مهما بلغت تكلفته.
خلاصة اقتصادية
إعادة الإعمار في سوريا ليست استعراض مشاريع، بل معركة اقتصادية لإعادة بناء الدولة، وتحرير الجزيرة فتح نافذة تاريخية لإعادة التوازن للاقتصاد الوطني، وتمكين الشركات السورية من أن تكون لاعباً أساسياً لا هامشياً.
إما إعمار يقوده الإنتاج والشراكة والعدالة الاقتصادية، أو فشل يعيد إنتاج الأزمة بثمن أعلى.
وفي هذه المرحلة، لا تحتمل البلاد أنصاف الحلول.