الحرية _ رشا عيسى:
يختبر التحول الاقتصادي في سوريا جوهر الدولة نفسها، بعد أن كشفت التجربة أن الاقتصادات لا تنهض بالقوانين وحدها، بل بتوازن دقيق بين الحرية والتنظيم، وبين دور الدولة وقدرة القطاع الخاص على حمل مسؤولية إعادة الإعمار وبناء الثقة المجتمعية. 
لم يكن الاقتصاد السوري، خلال العقود الماضية، سوى ساحة تجارب متناقضة بين شعارات اشتراكية جامدة ومحاولات سوق اجتماعي غير مكتملة، ما فتح أبواباً واسعة للفساد والمحسوبيات، وأفقد الاقتصاد هويته وأهدافه التنموية.
إعادة تعريف العلاقة مع الدولة
و حسب ما يؤكده الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية المهندس باسل كويفي لـ”الحرية”فإن المرحلة الحالية تشهد تحولاً واضحاً نحو نموذج الاقتصاد الحر الموجّه، كما عكسته التصريحات الرسمية والإعلان الدستوري، مع تأكيد مبدأ الشراكة الوطنية وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع بوصفها حجر الأساس لأي نهوض اقتصادي مستدام.
ويشير كويفي إلى أن إشراك السوريين في الاقتصاد، وتعزيز شعورهم بملكية الوطن، لا يقل أهمية عن السياسات المالية والنقدية، لأن الثقة هي الوقود الحقيقي لإعادة الإعمار.
عقدة بيئة الأعمال
وتعاني بيئة الأعمال السورية من تشريعات ضريبية معقدة ومتغيرة، إضافة إلى إرث من البيروقراطية والفساد الإداري، رغم التراجع النسبي لهذه الظواهر بعد التحرير، وتشكل الضرائب والرسوم المرتفعة عبئاً مباشراً على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ما يستدعي – وفق كويفي – تبسيط النظام الضريبي، وتخفيض العبء عن الشركات الناشئة والمنتجة، وتقديم حوافز ضريبية وجمركية للمشاريع الاستراتيجية، ولا سيما في قطاعات الطاقة المتجددة، الزراعة، والصناعات الدوائية.
لماذا القطاع الخاص ركيزة لا بديل عنها؟
تكمن أهمية القطاع الخاص في دوره المحوري في:تحفيز النمو الاقتصادي، وإيجاد فرص العمل، والمساهمة في إعادة الإعمار، وتحسين مستوى المعيشة، وتطوير البنية التحتية والخدمات، وتعزيز المسؤولية الاجتماعية وهي أدوار لا يمكن للاقتصاد الوطني الاستغناء عنها في مرحلة إعادة البناء.
الحلقة الأضعف في دورة الإنتاج
يُعد ضعف التمويل من أبرز التحديات التي تواجه القطاع الخاص، لاسيما المشاريع الصغيرة والمتوسطة، نتيجة ضعف السيولة في الجهاز المصرفي، وارتفاع مخاطر الائتمان، وعدم كفاية الضمانات، وغياب أدوات التمويل البديلة كالسوق المالية والسندات والتمويل الإسلامي، ويرى الباحث كويفي أن الخروج من هذه الدوامة يتطلب إصلاحاً جذرياً للقطاع المصرفي، وزيادة رساميل البنوك، وتحديث حوكمتها، إضافة إلى إنشاء صناديق ضمان ائتماني وتطوير آليات التمويل الأصغر والمتوسط.
قوانين قديمة لمرحلة جديدة
ما زالت العديد من القوانين الاقتصادية (المصارف، التجارة، التموين) غير منسجمة مع متطلبات إعادة الإعمار ، حيث يؤكد كويفي ضرورة مراجعة شاملة لقوانين الاستثمار والأعمال، وضمان سيادة القانون، وحماية حقوق الملكية والعقود، وتسهيل إجراءات التراخيص عبر نظام النافذة الواحدة.
شراكة لا رفاهية
ألحقت سنوات الحرب أضراراً جسيمة بالبنية التحتية، من طرق وكهرباء واتصالات، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج ويرى الباحث كويفي أن تقليص دور القطاع العام – باستثناء القطاعات الاستراتيجية – يفرض توسيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص (BOT)، إلى جانب تشجيع الاستثمار في الطاقة البديلة لضمان استقرار الكهرباء للمنشآت الإنتاجية.
الاستقرار النقدي والكفاءات البشرية
و يتطلب الحفاظ على التضخم ضمن حدود مدروسة سياسات نقدية ومالية مستقرة، تنعكس إيجاباً على الإنتاج والمواطن.
كما أن هجرة الكفاءات ونقص العمالة الماهرة يفرضان برامج شراكة بين الجامعات والقطاع الخاص، مع حوافز حقيقية لعودة الكفاءات السورية من الخارج.
البعد الإقليمي والدولي
لا يمكن فصل الاقتصاد السوري عن محيطه الإقليمي والدولي، إذ يؤثر تدفق رأس المال والشراكات الخارجية بشكل مباشر وغير مباشر على فرص الاستثمار ونمو القطاع الخاص.
إرادة مطلوبة
يؤكد كويفي أن تفعيل دور القطاع الخاص في سوريا يتطلب العمل المتوازي على إصلاح النظام الضريبي والجمركي، وتسهيل التمويل، و تحسين البيئة التشريعية والأمنية، وإعادة بناء البنية التحتية، وتحقيق استقرار سياسي واقتصادي ومالي.
وهي مهمة لا يمكن إنجازها دون إرادة إصلاحية حقيقية، وشراكة صادقة بين الحكومة والقطاع الخاص، ودعم دولي منظم في إطار إعادة الإعمار، ليصبح القطاع الخاص السوري محركاً فعلياً للاقتصاد الوطني في مرحلة بناء سوريا الجديدة.