إعادة تدوير الطعام ضرورة لا خيار.. تحولات صامتة على موائد السوريين في رمضان

مدة القراءة 8 دقيقة/دقائق

الحرية – حسن العجيلي:

تقف الموظفة المتقاعدة فائزة مصطفى في مطبخها وهي من سكان حي الأشرفية قبيل أذان المغرب بدقائق تراقب قدر الحساء الذي أعادت تسخينه من بقايا وجبة الأمس، تبتسم وهي تقول: ” سابقاً كان فائض الطعام يذهب للقمامة أحياناً، أما اليوم فصار كنزاً يجب الاستفادة منه “، هذه العبارة تختصر حال آلاف الأسر في المدينة التي تحاول التكيف مع واقع اقتصادي صعب، خصوصاً خلال شهر رمضان الذي يرتبط تقليدياً بزيادة الاستهلاك.

مع اقتراب موعد أذان المغرب تنشغل ربات المنازل في إعداد ما تيسر من أطباق الإفطار لكن المشهد لم يعد كما كان قبل سنوات، فالمائدة التي كانت تضم أصنافاً متعددة أصبحت اليوم أكثر بساطة، والحديث داخل البيوت لم يعد يدور فقط حول ما سيتم طهوه، بل حول كيفية الاستفادة من كل لقمة طعام وعدم إهدارها، فالواقع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه معظم الأسر السورية أدى إلى تحول إدارة الطعام داخل المنزل إلى شكل من أشكال الاقتصاد اليومي وأصبحت بقايا الوجبات جزءاً مهماً من خطط الأسر للتوفير، وبدلاً من الموائد الكبيرة التي كانت تضم عدة أطباق رئيسية أصبحت بعض العائلات تكتفي بطبق رئيسي واحد مع الحساء والسلطة.

“التقشيطات”.. لغة جديدة للموائد

ففي مدينة حلب التي عرفت تاريخياً بتنوع مطبخها وغنى موائدها بدأت العائلات تطور أساليب جديدة للتعامل مع الطعام خلال شهر رمضان، من خلال إعادة استخدام بقايا الوجبات وتحويلها إلى أطباق بسيطة أخرى، أو تخزينها بطريقة تضمن الاستفادة منها في الأيام التالية، هذه الممارسات التي كانت في السابق مجرد عادات منزلية بسيطة باتت اليوم ضرورة اقتصادية تفرضها ظروف المعيشة وارتفاع أسعار المواد الغذائية.

حال فائزة يتكرر مع نعيمة محمد وهي معلمة مؤكدة أن عملية ” إعادة التدوير الغذائي ” تتكرر يومياً فهي تحول بقايا الأرز إلى وجبة أخرى في اليوم التالي، بينما تستخدم الخبز اليابس لصنع الفتوش أو الفتة، مضيفة أن باقي الوجبات الزائدة يتم تفريزها وتخزينها وإعادة تسخينها في أيام أخرى، حيث يتم الاستفادة منها في أيام لا يتم فيها الطبخ وهو ما يطلق عليه شعبياً مصطلح ” تقشيطات “، مضيفة وهي تضحك أصبحت أغلب أيامنا ” تقشيطات “.

تقول في حديثها لـ ” الحرية “: لا شيء يُرمى الآن، حتى الخضار التي تذبل قليلاً نستخدمها في الشوربة، أو حتى في السلطة أو الفتوش بهذه الطريقة نوفر المال ونقلل الهدر، والأطباق التي نعيد تدويرها نقدمها غالباً لأبنائنا وخاصة الأطفال بصمت على أنها أطباق جديدة لنجذبهم إليها.

•  الشباب يشاركون في مطبخ التوفير

هذا الأسلوب لم يعد مقتصراً على جيل الأمهات الكبيرات، بل بدأ ينتقل أيضاً إلى الشباب، رنا عبد الله  وهي طالبة جامعية تعيش مع عائلتها في حي السكري، تقول إنها بدأت تساعد والدتها في ابتكار أطباق جديدة من الطعام المعاد تدويره للاستفادة من الطعام، وتضيف: “أحياناً نحول بقايا الدجاج إلى مكون لطبق آخر مع إضافة بعض التوابل وربما بعض الخضار خاصة في ظل ارتفاع الأسعار، كما نحول ما يتبقى من بطاطا مقلية إلى طبق شهي جديد عن طريق تسخينه وإضافة القليل من التوابل لإضفاء نكهة جديدة تكون محببة للأطفال بشكل خاص.

ويؤكد مصطفى الخلف وهو موظف وأب لخمسة أبناء أن الأسرة كانت تعتمد على إعداد أطباق متنوعة وبكميات كبيرة، أما اليوم نحاول حساب الكمية بدقة وإذا بقي شيء نعيد استخدامه في اليوم التالي.

•  الشراء على قدر الحاجة

كما فرض ارتفاع أسعار اللحوم والخضار والمواد الأساسية مقارنة بالسنوات الماضية واقعاً اقتصادياً جديداً، حيث دفع هذا الواقع كثيراً من العائلات إلى التخطيط الدقيق لوجباتها اليومية ليس فقط لتوفير المال بل أيضاً لتجنب إهدار أي طعام، إضافة إلى توفير الغاز الذي أصبح نادراً مع دخول شهر رمضان أيضاً.

يقول عبد المنعم ناصر صاحب محل لبيع الخضار في أحد أسواق حلب: ” الناس لم تعد تشتري بالكيلو كما في السابق، بل أحياناً بنصف كيلو أو أقل، والزبائن أصبحوا أكثر حذراً في الشراء لأنهم لا يريدون أن يفسد الطعام ” ، مضيفاً أن الكثير من العائلات أصبحت تشتري ما يكفي ليوم أو يومين فقط بدلاً من تخزين كميات كبيرة كما كان يحدث سابقاً.

•  الغلاء يغير عادات الطعام

يرى الخبير الاقتصادي حسان الموسى أن ما يحدث داخل المنازل الحلبية هو انعكاس طبيعي للظروف الاقتصادية الحالية، ويضيف في حديثه لـ ” الحرية ” عندما ترتفع الأسعار وتنخفض القدرة الشرائية يبدأ الناس تلقائياً بالبحث عن طرق لتقليل النفقات، وإعادة استخدام الطعام هي إحدى وسائل الاقتصاد المنزلي التي تظهر عادة في أوقات الأزمات، كما أن الهدر الغذائي يمثل مشكلة اقتصادية كبيرة حتى في الدول الغنية لكن في الظروف الصعبة يصبح تقليله مسألة ضرورية.

ويتابع الموسى: إن الأسر التي تدير استهلاكها الغذائي بشكل جيد تستطيع تخفيض جزء من نفقاتها الشهرية، خصوصاً في شهر رمضان الذي يرتفع فيه الإنفاق عادة، مشيراً إلى أن هذه الثقافة وإن كانت انعكاساً لظرف اقتصادي غير جيد إلا أنها تعزز مفهوم الاستهلاك المسؤول ويجب أن تستمر في باقي الأوقات، مضيفاً أن ما يحدث اليوم داخل المنازل الحلبية يمثل تحولاً تدريجياً في ثقافة الاستهلاك، فبعد سنوات من الأزمات الاقتصادية، أصبح كثير من الناس أكثر وعياً بأهمية إدارة الموارد المتاحة.

ولا يخفي الموسى أن الواقع الاقتصادي الصعب للكثير من الأسر وانخفاض مستوى الدخل مقارنة بالإنفاق سواء في شهر رمضان أو غيره يحتاج إلى إعادة نظر، فإعادة تدوير الطعام وإن كانت منهجاً اقتصادياً منزلياً جيداً لكن بعض الأسر لا تجد حتى ما يمكن أن تقوم بإعادة تدويره وهو ما يشكل خطراً غذائياً.

•  دعوة دينية للتكافل وعدم الإسراف

من جانبه أكد الشيخ محمد ألماز من  دائرة الإرشاد والتوجيه الديني في مديرية أوقاف حلب أن الله تبارك وتعالى نهى عن الإسراف حيث قال جل جلاله ” والله لا يحب المسرفين “، مضيفاً في حديثه لـ ” الحرية ” أن الإسراف في غير منفعة وخاصة في شهر الرحمة تصرف خاطئ حيث نلاحظ أن بعض الأسر تسرف في الطعام والشراب  ويزيد عن حاجته ويبذر بإلقاء الباقي على قارعة الطريق، وهذا تصرف غير مقبو لا دينياً ولا اجتماعياً واقتصادياً.

ويضيف الشيخ ألماز: بعض المطاعم يتم فيها إسراف كبير ويزيد عن حاجة من يطلبه، بالتوازي مع وجود الكثير من الفقراء الذين لا يجدون ما يأكلونه، داعياً إلى التعاون مع الجمعيات الخيرية وخاصة من قبل المطاعم، حيث تقوم الجمعيات بإعادة تدوير الطعام وتعليبه وتوزيعه على المحتاجين.

•  مبادرات مجتمعية

وفي هذا السياق تظهر أيضاً مبادرات محلية تهدف إلى تقليل هدر الطعام خلال رمضان، حيث تشجع  بعض الجمعيات الأهلية العائلات على مشاركة الفائض من الطعام مع الجيران أو المحتاجين.

تقول المتطوعة في إحدى المبادرات الخيرية سمر عبد الله: أحياناً يكون لدى بعض الأسر فائض من الطعام، بينما هناك عائلات أخرى تحتاجه، نحاول التنسيق بينهما بطريقة تحفظ كرامة الجميع”، مضيفة أن هذه المبادرات تعكس روح التضامن الاجتماعي التي يحرص كثير من السوريين على إحيائها خلال شهر رمضان.

•  ثقافة التوفير أسلوب حياة

في حلب كما في مدن سورية أخرى باتت إعادة تدوير الطعام جزءاً من الاقتصاد المنزلي اليومي، وبينما قد تبدو هذه الممارسات بسيطة إلا أنها تعكس قدرة المجتمع على التكيف مع الظروف الصعبة والبحث عن حلول عملية للحفاظ على استقرار الأسرة، ومع استمرار التحديات الاقتصادية يبدو أن ثقافة التوفير والاستفادة القصوى من الموارد ستظل حاضرة في حياة كثير من العائلات، ليس فقط خلال رمضان بل في بقية أشهر العام أيضاً.

Leave a Comment
آخر الأخبار