الحرية – راتب شاهين:
دائماً ما تطول الحروب، وبالمصادفة غالباً ما تتجاوز الجداول الزمنية المعلنة، الحرب الروسية-الأوكرانية، التي تقترب من إكمال أربع سنوات على اندلاعها، جُرّب فيها كل شيء من أسلحة إلى حدود صبر البشر، وتمر الآن بمنعطف إنساني مؤلم.
السردية الرسمية تقول إنهم اجتمعوا وخططوا للحرب، لكنها طالت أكثر مما أرادوا – إن كانوا قد فكروا في النهاية أصلاً، لكن هناك على الجبهات، من يعد الثواني التي مرت وهو ما زال قادراً على عدها لأنه ما زال حياً، أما خلف خطوط القتال، فهناك من يقبع بعيداً وشغله الشاغل دفع وقود جديد إلى نار الحرب، كي تواصل مسيرتها نحو اللانهاية.
جنود تحت الثلج والبرد يحسبون الساعات ثقيلة كالجبال، وهم بعيدون عن عائلاتهم، في زحام الانفجارات يفقدون الإحساس بالزمن، وكل ما يهمهم عندما يتذكرون وجودهم، وعندما تختلط الرايات بعد الدخان، هو أن تنتهي الحرب، لا يهم أي علم سيرتفع، المهم أن يشاهدوا بأنفسهم نهاية كابوس الحرب، ويتحسسوا بأقدامهم طريق العودة إلى الحياة مع أحبائهم.
نائبة البرلمان الأوكراني آنا سكوروهود صرّحت بأن العديد من الأوكرانيين لم يعودوا يهتمون تحت أي علم سيعيشون، فهم غاضبون ومتعبون للغاية، متعبون تحت القصف والصقيع – صقيع إنساني حيث لا يرتفع صوت الأنين فوق صوت القذائف وصوت المصالح المتشابكة والأطماع، أطماع من يقبع بعيداً خلف خطوط الصراع، يحرك خطوط التماس كما يحرك البيادق على رقعة شطرنج.
ولكيلا تنتهي الحرب، لا بدّ من دفعات مستمرة من الوقود البشري الذي لا ينضب، ولتعويض الأموات بالأحياء، يُستعان بمرتزقة أُغرُوا بمكاسب مادية – إن بقوا أحياء لاستلامها، مرتزقة من عالم ثالث، من فقراء الكوكب، فجهاز الأمن الروسي أكد أن دفعة جديدة من المرتزقة الكولومبيين انضمت إلى اللواء الثالث عشر من الحرس الوطني الأوكراني، ومن المؤكد أن تجنيد هؤلاء تمّ عبر سماسرة موت، كي لا تنتهي الحرب.
إن إنقاذ أرواح البشر يجب أن يكون الغاية العليا، لكن هذا العالم لا يحكمه الفلاسفة، بل تجار الحروب وسماسرة الموت الذين تزداد شراستهم وقبحهم مع كل إنسان يسقط على الجبهة، والحرب الروسية-الأوكرانية تضع الإنسانية والحكمة تحت اختبار مصيري.