“إيقاع” علي صقر بين الوتر والموجة

مدة القراءة 7 دقيقة/دقائق

الحرية: علي الراعي:

يكاد علي صقر لم يترك جنساً إبداعياً دون أن يمسك منه ولو خيطاً من قمصانه؛ كتب القصة القصيرة بأشكالها كافة: الطويلة والقصة القصيرة جداً، الكلاسيكية والساخرة، ثم كتب الشعر والرواية والسيناريو لمختلف الأجناس الدرامية.. ورغم كل هذا التنويع بقي المسرح شغفه الأول: كتابةً وتمثيلاً وإخراجاً.. هل لأنّ الأمر كذلك كان يطلق على الفرق المسرحية التي يؤسسها اسم “شغف”..
مسرح مختلف بملامح لا تُشبه سوى علي صقر، مسرح كثيراً ما يميل لـ”المنودراما”، وأحياناً بشخصيات قليلة لا تتجاوز الشخصيتين، واللتان تكونان أقرب لمناخات “المنودراما”.. مسرح لا ينتمي للمسرح الفقير غير أنه يُجسده عمداً، حيث دائماً ما يأخذ من الديكور والسينوغرافيا ما يوحي ويُشير فقط بأشد ما يكون الاقتصاد، وليس الديكور الباذخ والمبهر، ذلك أن جلّ تركيزه يكون على الحوار الذي يكتنز بالمفارقة، الأخيرة التي كانت فاعليته المسرحية، ولعبته الفنية..
مناسبة هذا التمهيد؛ هو العرض المسرحي الذي قدمه علي صقر أمس على مسرح قصر الثقافة في طرطوس بالتعاون بين فرقة شغف المسرحية لعلي صقر ومؤسسة بنفسج تحت عنوان (إيقاع)، تمثيل: نجاة محمد، ابراهيم سعيد، من إعداد سالي علي عن قصة الكاتب الإيطالي دينو بوتزاتي..
في هذا الـ”إيقاع”؛ نجد أنفسنا أمام عمل يستثمر الفضاء المسرحي كحيز استعاري يعكس تناقضات الوجود الإنساني المعاصر.. وخلاله يقدم العرض تشريحاً دقيقاً للعلاقة بين الفن والحياة، بين النغم والواقع، بين الحلم والهرب.

الفضاء المسرحي

يبدأ التكوين البصري للمسرحية بتركيب دلالي معقد: سلم متوازٍ في عمق المسرح، كلُّ درجة عليه إشارة موسيقية، أمامه آلة الأورغ وجهاز التسجيل وكرسي خيزران.. هذا التكوين لا يقدم فقط مكاناً للأحداث، بل يخلق عالماً تكون فيه الموسيقا نظاماً هرمياً (السلم) وأداة إبداع (الأورغ) وذاكرة (التسجيل).. في المقابل، نجد في مقدمة المسرح شاطئاً رمزياً مع طاولة ومشروب القهوة، ودواليب بحرية، وحبال غسيل مقطعة.. هذا التضاد بين عالم الموسيقا المنظم وعالم الحياة اليومي الفوضوي يُشكّل القلب النابض للعرض.

النغم والواقع

تتجلى أزمة الشخصيتين الرئيسيتين (هو وهي) في الصراع بين الانكفاء على الفن والمواجهة مع واقع مرعب.. “هو” منغمس في عالمه الموسيقي، يحاول تسجيل “آخر مقطوعة في حياته”، بينما “هي” منشغلة بما يدور على وسائل التواصل الاجتماعي من أخبار عنف وتهديدات.. هذا التباين يُمثّل إشكالية الفنان في زمن الأزمات: هل ينسحب إلى برجه العاجي الفني أم يشارك في معركة الواقع؟!
اللغة الحوارية بينهما تحمل نبرة سوريالية أحياناً، تخلط بين العادي والاستعاري.. حكايات محاولات الهروب الفاشلة إلى قبرص، التي تتحول إلى لعبة أطفال بـ(صباط وكندرة)، تعكس سخريةً مريرة من حلم الهروب الذي أصبح مستحيلاً.. الهرب هنا ليس مجرد انتقال جغرافي، بل بحث عن فضاء للحرية والحب والفن.

الانزياح الجمالي

يُقدم العرض لحظة تحوّل جمالي مدهشة، وذلك عندما تتحول حبال الغسيل وأدوات المنزل إلى آلات موسيقية.؟ ليست هذه مجرد فكرة مسرحية بارعة، بل بيان جمالي عن إمكانية إنتاج الجمال من أدوات الحياة اليومية حين تصطدم الملابس المعلقة بالرياح وتصدر نغمات مختلفة حسب نوع القطعة (جاكيت رسمي ينتج موسيقا رسمية، بنطال خاكي يصدر موسيقا عسكرية)، فإن العرض يُقدّم نظرية فنية مغايرة: الفن ليس منفصلاً عن الحياة، بل هو نتاج تفاعل عناصرها.
هذا الانزياح يُذكرنا بمسرح المهمات اليومية الذي حوّل العادي إلى استثنائي، لكنه هنا يذهب أبعد بتحويل الوظائفي إلى جمالي. المكنسة ليست أداة تنظيف فحسب، بل إيقاع موازٍ، والدولاب البحري ليس أداة سباحة فقط، بل وسيلة هروب وحلم.

السلم كصراع وجودي

تتحول درجات السلم الموسيقي في المشهد الرئيسي إلى درجات صراع فلسفي بين الرجل والمرأة، حيث كل درجة تصدر نغمة ترافق الحوار الذي يتحول إلى مناظرة حول العقل والجنون، الزواج والحياة. “مجنون تزوج من مجنونة فأنجبت عاقلاً” – هذه العبارة تلخص مفارقة العلاقة: من الفوضى يولد النظام، من الجنون يولد العقل. فيما الصعود المتوازي على السلم يعكس تكاملاً في الاختلاف، فكلٌّ يصعد درجة مقابل درجة، وكلُّ نغمة ترافق فكرة. هنا يتحول الصراع إلى تناغم، والاختلاف إلى إيقاع موسيقي.

الهرب كموتيف مركزي

يعود موضوع الهرب بشكلٍ متكرر في النص: الهرب إلى قبرص، الهرب بالموسيقى، الهرب بالدولاب البحري. لكن كل محاولات الهرب تفشل وتعود بهما إلى الشاطئ نفسه، إلى “طرطوس ترحب بكم”. هذه العودة الدائمة تعكس واقعاً وجودياً: لا مهرب من المكان والزمان، لا مهرب من الواقع إلا داخل الواقع نفسه.
المشهد الأخير حيث يبحران بالدولاب ثم يرميانه نحو الجمهور هو فعل تحريري وليس هرباً من المكان، بل تحرير من الأداة ذاتها، من الأمل الكاذب في الهرب. الإلقاء بالدولاب نحو الجمهور هو دعوة للمشاركة في الحلم، أو ربما تحذير من مخاطر الاعتماد على أدوات هرب وهمية.

الموسيقا كفضاء مقاومة

في عالم يهدده العنف والخراب، تصبح الموسيقا فضاء للمقاومة الوجودية هي ليست مقاومة مسلحة، بل مقاومة بالجمال، بالإبداع، بخلق عالم بديل داخل العالم القائم. حبال الغسيل التي تتحول إلى أوتار، والأشرطة التالفة التي تصبح أدوات موسيقية، هي استعارة قوية عن قدرة الفن على تحويل الخراب إلى جمال، والعادي إلى استثنائي.. الموسيقا هنا ليست هرباً من الواقع، بل هي طريقة لمواجهته، لتحويله، لإعادة تشكيله وفق رؤية جمالية. حين يقول “هو”: “في البدء كانت الموسيقا”، فهو يضع الفن كأصل، كبديل عن الخطاب التقليدي.

بين الوتر والموجة

“إيقاع” هو عمل مسرحي ينجح في تحويل المسرح إلى فضاء استعاري يعكس إيقاعات الوجود المعاصر: إيقاع الفن، إيقاع الحياة اليومية، إيقاع الخوف، إيقاع الحلم. العلاقة بين “هو” و”هي” ليست مجرد علاقة عاطفية، بل هي علاقة بين الفن والواقع، بين الخيال والحياة، بين الصوت والصمت.
يُقدم العرض رؤية تفاؤلية رغم قسوة الواقع: الجمال ممكن، حتى في أصعب الظروف. والموسيقا ممكنة حتى من حبال الغسيل، والحب ممكن حتى في زمن الحرب، والحلم ممكن حتى عندما يكون الهرب مستحيلاً.
في النهاية، يرمي العرض بالدولاب البحري نحو الجمهور، ليس كاستسلام، بل كتحدٍ: ها هي أدواتنا، ها هو حلمنا، فماذا ستفعلون به؟! السؤال الموجه ليس للشخصيات بل للمتفرجين، الذين يصبحون شركاء في المسؤولية عن هذا الحلم، عن هذا الإيقاع الذي يجب أن يستمر، بين الوتر والموجة، بين النغمة والمكنسة، بين الفن والحياة.

Leave a Comment
آخر الأخبار