الحرية – رشا عيسى:
شهد الاقتصاد السوري خلال العام الذي تلا التحرير نقلة نوعية في المنهجية، محاولاً التخلص من إرث الاقتصاد المركزي والريعي نحو انموذج أكثر انفتاحاً، هذا التحول يمثل التطور الأهم،و يفتح الباب أمام فرص استثمارية ورفع تدريجي للعقوبات، لكنه في الوقت ذاته يواجه تحديات تتمثل في تركة ثقيلة من دمار البنية التحتية، وارتفاع معدلات الفقر، والحاجة الماسة لاستقرار سياسي وأمني.
المشهد الاقتصادي بين الأمل والتحدي
تتسم المرحلة الحالية في سوريا بوجود فرص واعدة وتحديات بنيوية عميقة كما وصفها الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية المهندس باسل كويفي لـ ( الحرية).
ورأى المهندس كويفي أن الفرص الواعدة تتمثل في التحول نحو الاقتصاد الحر، ورفع العقوبات الدولية تدريجياً (مثل عقوبات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة)، والتوقيع على اتفاقيات استثمارية إقليمية، هذه التطورات تفتح آفاقاً جديدة للنمو بعد سنوات من العزلة.
وتشمل التحديات البنيوية بيئة سياسية هشة،و استمرار المطالبات باللامركزية في بعض المناطق، والحاجة الماسة إلى استقرار أمني وسياسي مستدام، كما إن البنية التحتية مدمرة بشدة (كالكهرباء والماء)، وتكلفة إعادة الإعمار تقدر بما لا يقل عن 600 مليار دولار، ما يضع عبئاً هائلاً على الموارد المتاحة.
مؤشرات على طريق التعافي
بين كويفي أن الفترة الأخيرة شهدت خطوات إيجابية قد تعزز الاستقرار النقدي والمعيشي وأبرزها:
إحياء القطاع المالي و عودة تفعيل نظام “سويفت” للتحويلات المالية منذ الأسبوع الماضي، واستئناف تداول سوق دمشق للأوراق المالية، ومحاولات إعادة الثقة بالقطاع المالي عبر تحديث العمل المصرفي ودمج البنوك العامة.
العملة المحلية وجهود لإعادة الثقة بالعملة المحلية لصالح العملات الأجنبية بعد تداول العملة الجديدة.
الحاجة لإعادة تأهيل و إحياء القطاعات الإنتاجية (الزراعة والصناعة والسياحة والخدمات)،و إعادة تأهيل البنى التحتية، والتركيز على جذب الاستثمارات الخارجية، والمراهنة على التمويل الخليجي والدولي لإعادة الإعمار.
وبالمقابل تحدث كويفي عن ضبابية جعلت الجهود تواجه ضعفاً في الإنتاج المحلي، وضبابية حول الدين العام والميزانية المقررة للدولة وماهية إقرارها وأولوياتها وتوزيعاتها.
حلول جذرية
وعلى الصعيد الاجتماعي، لا تزال الأرقام صادمة و يجب معالجتها، حيث أوضح كويفي أن معدلات الفقر والبطالة مرتفعة، وأن اقتراح صندوق للتعويضات مهم لإنشاء صندوق محلي- دولي للتعويضات ودعم المشروعات التنموية لمعالجة الأزمة الإنسانية والاقتصادية.
نقلة منهجية وفجوة في التنفيذ
استناداً إلى هذه التطورات، يمكن تقييم المشهد الاقتصادي السوري خلال العام الذي تلا سقوط نظام الأسد على النحو التالي كما يحدد المهندس كويفي أولاً: نقلة نوعية في المنهجية ويمثل التحول من النموذج الاقتصادي المركزي والريعي الذي هيمن عليه الفساد و”اقتصاد الحرب” إلى نموذج منفتح على الاستثمارات والسوق العالمي، التطور الأهم على الإطلاق، و هذا التحول هو الأساس الذي تنطلق منه باقي التغييرات.
بموازاة ذلك وجد كويفي أن هناك فجوة بين الوعود والتنفيذ أي لا تزال هناك فجوة بين الإعلانات السياسية والاتفاقيات الموقعة، وبين التنفيذ الفعلي على الأرض، ما يشير إلى استمرار معوقات البيروقراطية وضعف البنية التحتية ، ومن ناحية أخرى ، الاعتماد على رأس المال البشري الذي أحد أهم ركائز التعافي، حيث يمتلك آلاف السوريين خبرات عالمية يمكن أن تساهم بشكل حاسم في إعادة الإعمار إذا ما توفرت البيئة الآمنة والمشجعة.
وبناء على ماسبق ،وجد كويفي أن الطريق طويل والتعافي مشروط لأن الاستقرار الأمني والسياسي هو الشرط الأساسي لأي نهضة اقتصادية حقيقية. كما أن عودة السيطرة على الموارد الطبيعية (مثل النفط والغاز والمناطق الزراعية الخصبة) التي لا تزال خارج سيطرة الحكومة يمثل تحدياً إضافياً يجب حله لضمان تمويل عملية إعادة الإعمار.
أمل في انطلاقة جديدة
بشكل عام، يمثل المشهد الاقتصادي السوري اليوم صورة مختلطة: أمل في انطلاقة جديدة بعد رفع العزلة الدولية والبدء بإصلاح الهيكل الاقتصادي، ولكن في مواجهة تركة ثقيلة من الدمار والفساد ستحتاج إلى سنوات من العمل الجاد والاستقرار لمعالجتها. إن تحقيق التعافي الشامل يتطلب إرادة سياسية قوية، تخطيطاً دقيقاً، وتضافر جهود جميع الأطراف المعنية لتحويل هذا الأمل إلى واقع ملموس.
وصف الميتا :