الحرية – بادية الونوس:
يتأثر الاقتصاد السوري بمجموعة كبيرة من العوامل المتداخلة، تجمع بين الضغوط الداخلية المتمثلة في ضعف الإنتاج الزراعي والجفاف من جهة، والضغوط الخارجية الناتجة عن التوترات الإقليمية وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل من جهة اخرى.
ووفق الباحث الاقتصادي مهند زنبركجي أنه في حال استمرت حالة التصعيد العسكري في المنطقة لفترة طويلة، فسيواجه الاقتصاد السوري مزيداً من ارتفاع الأسعار والضغوط التضخمية وتباطؤ في تدفق الاستثمارات، الأمر الذي قد يؤخر فرص التعافي الاقتصادي و إعادة الإعمار.
زيادة في الاستيراد
بلغة الاقتصاد يتحدث زنبركجي لـ”الحرية” إذ يؤكد أن الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران أدت إلى تصعيد عسكري انعكس مباشرة على حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، حيث شهدت المنطقة اضطرابات ملحوظة في حركة الشحن البحري وارتفاعاً في تكاليف التأمين و النقل، الأمر الذي ساهم في زيادة تكاليف الاستيراد للمواد الغذائية والسلع الأساسية في العديد من دول المنطقة، بما فيها سوريا، حيث يعد هذا النوع من الحروب الإقليمية عاملاً رئيسياً في دفع معدلات التضخم في الاقتصادات الهشة، إذ تؤدي صدمات الطاقة والغذاء إلى ارتفاع الأسعار بسرعة أكبر من قدرة الأسواق المحلية على التكيف، فقد وصل سعر النفط خلال ذروة التوتر إلى أكثر من 100 دولار للبرميل قبل أن يتراجع نسبياً لاحقاً، في حين شهدت أسعار الديزل عالمياً ارتفاعاً ملحوظاً، ما أدى إلى زيادة كبيرة في تكاليف النقل و الإنتاج الزراعي.
ارتفاع المواد المستوردة
وأضاف زنبركجي: انعكست هذه التطورات بشكل واضح على الاقتصاد السوري، حيث ارتفعت أسعار المواد المستوردة بنسبة تراوحت بين 15% و25%، كما ارتفعت تكاليف النقل والشحن بنسب تتراوح بين 15% و30%، وهو ما انعكس بدوره على أسعار المواد الغذائية التي سجلت زيادات تراوحت بين 20% و 35%، كما طالت هذه الزيادات القطاع الزراعي، إذ ارتفعت تكلفة النقل الزراعي بنسبة تتراوح بين 20% و35%، في حين ارتفعت تكاليف الإنتاج الزراعي بنسبة تتراوح بين 15% و 25%، وهو ما أدى في النهاية إلى ارتفاع أسعار الخضار والفواكه في الأسواق المحلية بنسب تراوحت بين 20% و 40%.
تحديات إضافية
إلى جانب هذه العوامل المرتبطة بالتوترات الإقليمية، يواجه السوق السوري تحدياً إضافياً يتمثل في محدودية الإنتاج الزراعي المحلي، حيث يتم تصدير جزء كبير من إنتاج الخضار و الفواكه إلى الأسواق الخليجية، و لا سيما إلى قطر، السعودية، الإمارات و الكويت.
هذا التوجه التصديري يقلل من حجم المعروض في السوق المحلية و يؤدي إلى ارتفاع الأسعار المحلية بشكل ملحوظ، تتراوح بين 20% و60%، خلال الفترة الأخيرة ارتفعت شحنات تصدير الخضار والفواكه إلى دول الخليج من نحو عشر شاحنات تبريد يومياً إلى ما يقارب ثلاثين شاحنة، أي بزيادة تقارب 200%. و قد أدى هذا التوسع في التصدير إلى انخفاض العرض في السوق المحلية بنسبة تتراوح بين 30% و 40%، الأمر الذي ساهم في رفع الأسعار في الأسواق الزراعية بنسبة تتراوح بين 25% و 50%.
تراجع الإنتاج الزراعي
بلغة الأرقام تظهر هذه التحولات بوضوح في أسعار بعض المنتجات الزراعية، إذ ارتفع سعر الكيلوغرام من البندورة من نحو 11 ألف ليرة سورية قبل اندلاع الحرب إلى ما يقارب 20 ألف ليرة حالياً، كما ارتفع سعر الليمون من نحو 17 ألف ليرة إلى حوالي 25 ألف ليرة للكيلوغرام.
ويؤكد زنبركجي أن العوامل المؤثرة تتمثل في ارتفاع الأسعار، في تراجع الإنتاج الزراعي نتيجة الجفاف، الذي يقدر تأثيره بنحو 40% من مجمل الزيادة في الأسعار و يأتي التصدير إلى الأسواق الخليجية في المرتبة الثانية بنسبة تقارب 30%، في حين تسهم التوترات الإقليمية وارتفاع تكاليف الطاقة بنحو 20% من الزيادة، بينما تمثل العوامل الداخلية الأخرى مثل حلقات الوساطة و ضعف التنظيم السوقي نحو 10%.
تراجع في تدفق الاستثمارات
يؤكد الباحث الاقتصادي والمتخصص في التخطيط الاستراتيجي أن الاقتصاد السوري بدأ خلال الفترة الأخيرة يعتمد بدرجة أكبر على بعض الاستثمارات العربية والخليجية، خاصة في قطاعات البنية التحتية والطاقة والعقارات و الزراعة، غير أن استمرار الحرب الحالية يهدد بإحداث تراجع نسبي في تدفق هذه الاستثمارات على مستوى المنطقة عموماً وفي سوريا على وجه الخصوص، نتيجة ارتفاع مستوى المخاطر السياسية و الأمنية، إذ يعتمد المستثمرون الخليجيون بدرجة كبيرة على عامل الاستقرار الإقليمي عند اتخاذ قراراتهم الاستثمارية.
و مع تصاعد الصراع تزداد المخاوف من احتمالية توسع نطاق المواجهة إلى دول أخرى في المنطقة، إضافة إلى ارتفاع تكاليف التأمين على المشاريع الاستثمارية.
مشيرا إلى أن تكلفة إعادة إعمار سوريا تقدر بنحو 400 مليار دولار، و هي عملية تعتمد بشكل كبير على التمويل الخارجي والاستثمارات الإقليمية، إلا أن استمرار حالة عدم الاستقرار قد يدفع دول الخليج إلى إعادة تقييم استثماراتها الخارجية، وخاصة في السوق السورية، ما قد يؤدي إلى تأجيل بعض مشاريع البنية التحتية لفترة تتراوح بين عام وعامين، فضلاً عن تراجع الاستثمارات العقارية و الزراعية بنسب تتراوح بين 15% و20%.
الحاجة إلى اقتصاديين محترفين
يتأثر الاقتصاد السوري بمجموعة كبيرة من العوامل المتداخلة، تجمع بين الضغوط الداخلية المتمثلة في ضعف الإنتاج الزراعي والجفاف من جهة، و الضغوط الخارجية الناتجة عن التوترات الإقليمية وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل من جهة اخرى. ووفق زنبركجي: في حال استمرت حالة التصعيد العسكري في المنطقة لفترة طويلة، فسيواجه الاقتصاد السوري مزيداً من الضغوط التضخمية وكذلك تباطؤ في تدفق الاستثمارات، الأمر الذي قد يؤخر فرص التعافي الاقتصادي و إعادة الإعمار.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى اقتصاديين محترفين يملكون خبرة عالية و عملية في التخطيط الاستراتيجي و ادارة المخاطر، يعتمدون فيها خططاً و سياسات أكثر مرونة تحقق توازناً بين السوق الداخلية والأسواق الخارجية، إضافة إلى تحسين بيئة الاستثمار و تقليل المخاطر الاقتصادية، بما يسمح للاقتصاد السوري بالتكيف مع التحولات الإقليمية و تقليل انعكاساتها السلبية على المدى المتوسط والبعيد.