الحرية- عمران محفوض:
كشفت وزارة المالية عن استعدادها لتمويل مشروع “استراتيجية مكافحة الفقر” من دون ذكر تفاصيل عن البرنامج الزمني أو آلية التنفيذ أو تحديد الجهات والمؤسسات التي ستشارك في العمل اللاحق للقضاء على الفقر في سوريا.
الواقع الاقتصادي والاجتماعي لجميع المواطنين يفرض على المالية طرح هذه المبادرة نظراً لتجاوز نسبة الفقراء بين السوريين حد الـ 90% -حسب منشورات برنامج الغذاء العالمي- إلّا أنّ البعض يعد مسألة طرح “استراتيجية مكافحة الفقر” لا يعدو كونه خطوة لجهة عامة ترغب في حث رجال الأعمال على تسديد الرسوم والضرائب المتراكمة والمستحقة دون تأخير، والأهم دفعهم للإعلان عن أرباحهم الحقيقية ليكون التكليف الضريبي القادم عادلاً من باب أن هذه المدفوعات من الرسوم والضرائب ستخصص لتنفيذ “استراتيجية مكافحة الفقر”، وتالياً رفع القوة الشرائية للسوريين؛ ما يعود بالنفع على المنتجين والتجار عبر تسريع دورة الاستثمار لرؤوس أموالهم.
كل ذلك منطقي ومرحب به كون التهرب الضريبي في سوريا -في حال مكافحته- يحقق إيرادات للموازنة تغطي جزءاً كبيراً من إنفاقها الجاري أو على أدنى تقدير يكفي لتمويل نفقات الرواتب والأجور للعاملين بالدولة طوال 12 شهراً، لكن من وجهة نظر إجرائية فإن وزارة لوحدها لا تستطيع القيام بمهمة مكافحة الفقر لدولة تعاني منه على الصعد كافة منذ سنوات بل عقود مضت.
إن التخلص من الفقر في سوريا يحتاج إلى تضافر جهود الدولة؛ العامة والخاصة بأكملها، ويفضل أن تكون المبادرة “ممسوكة” من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل دون إغفال الدور التمويلي المهم لوزارة المالية مروراً بمهام الوزارات الأخرى الإنتاجية والتجارية والخدمية في توفير فرص عمل كافية لجميع الشباب السوريين، وبهذا فقط تحقق “استراتيجية مكافحة الفقر” الأهداف المحددة لها ..
– إنهاء الفقر المدقع بجميع أنواعه ومستوياته قبل حلول 2030.
– تنفيذ أنظمة حماية اجتماعية شاملة للجميع (صحة، تعليم، تشغيل).
– ضمان توزيع متساوٍ في الموارد الاقتصادية والطبيعية، الخدمات الأساسية، والإيرادات المالية بين جميع المواطنين.
– الحد من الهشاشة الاجتماعية من خلال بناء قدرات الفقراء على مواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والصحية والمناخية.
وفي السياق ذاته؛ يرى خبراء أن نجاح “استراتيجية مكافحة الفقر” يتطلب أركاناً وشروطاً منها:
– عدم الاكتفاء بتحسين الدخل فقط، بل شمول برنامج مكافحة الفقر التعليم، الصحة، النقل، والسكن.
– تمكين العمل وتشجيع الإنتاج عبر توفير فرص عمل عادلة لجميع السوريين، ودعم القطاع الخاص لتعزيز الإنتاج.
– تفعيل برامج الحماية الاجتماعية والدعم النقدي المشروطة بضمان تعليم الأطفال والعناية بصحتهم.
– النزاهة ومحاربة الفساد من أجل ضمان وصول الدعم لمستحقيه والتوزيع العادل للثروات.
– الاستثمار في رأس المال البشري لرفع الكفاءة والقدرة على الاعتماد على الذات.
بالطبع؛ إن تضمين بند “استراتيجية مكافحة الفقر” في موازنات الدولة له دلالات اقتصادية واجتماعية مهمة لجميع السوريين، خاصة في ظل الظروف المعيشية القاسية لمعظمهم، إلا أن مجرد ذكر هذا المطلب الشعبي والتنموي دون توضيح إجراءات تنفيذية فاعلة وشاملة له يبقى طرحه اليوم خجولاً؛ فيما التطبيق الفعلي يظل محصوراً في خانة مؤجل إلى مرحلة لاحقة، وربما مرهون بخطوات أخرى من الزمن القادم.