الحرية- لمى سليمان:
يطلق العديد من الاقتصاديين على الاقتصاد الحالي في سوريا بالـ”اقتصاد الفتي” الذي يحاول السير بخطى ممنهجة على طريق اقتصاد السوق الحر، لكن التوجه الحالي نحو اقتصاد السوق الحر الذي تنتهجهه العديد من الدول المزدهرة عالمياً لازال في مهده بالنسبة لسوريا، ولو كانت القواعد التي تضبط سير السوق غير واضحة وغير مكتملة الجوانب تبعاً للعديد من العوامل التي تلت عملية التحرير من واقع مدمر وبنى تحتية مهمشة وقوانين غير مدروسة، الأمر الذي صعب الخطوات الأولى لفرضيات “اقتصاد سوق حر” نامية والتوجه من اقتصاد موجه مركزي إلى اقتصاد استثماري منفتح جاذب مع المحافظة على سوق ترويجية تضمن عدم كساد المنتج الوطني وتطوير الصناعة المحلية. 
ويكون السؤال ماهي الضوابط التي تضمن السير الصحيح في طريق اقتصاد السوق الحر؟ وكيف يمكن أن يبقى المنتج الوطني غير مغيّب في استراتيجية العرض و الطلب السوقية التي يُبنى عليها هكذا اقتصاد؟
قواعد جوهرية
في إجابة على الأسئلة السابقة يقول الخبير الاقتصادي في التخطيط الاستراتيجي مهند الزنبركجي: ما يُسمّى حالياً “اقتصاد السوق الحر” يبتعد بنسبة كبيرة عن القواعد والضوابط المعتمدة لهذا النموذج الاقتصادي عالمياً ويقترب عملياً من حالة عشوائية يمكن توصيفها باقتصاد غير منضبط.
ويتابع الزنبركجي: في النماذج العالمية لاقتصاد السوق الحر، تمارس الدولة رقابة صارمة ويومية على جودة المواد المستوردة قاطبة، غير أن هذه الرقابة شبه غائبة في الحالة السورية، حيث تنتشر في عدد كبير من الأسواق الشعبية مواد مجهولة المصدر أو منتهية الصلاحية أو رديئة الجودة، دون أي متابعة فعلية من الجهات المعنية، ما يشكّل خطراً مباشراً على صحة المستهلك ويقوّض أسس السوق السليمة.
ويضيف الزنبركجي: بعض القواعد الجوهرية لاقتصاد السوق الحر أيضاً وهي: حماية الملكية الخاصة وحقوق المستثمرين من خلال قضاء مستقل وقوانين واضحة تضمن تنفيذ العقود وتسوية النزاعات، الأمر الذي يوفّر بيئة آمنة وجاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي. يرتبط بذلك مبدأ الشفافية و تكافؤ الفرص، حيث تُطبَّق القوانين والضرائب والرسوم على الجميع دون استثناء، و تُكافَح الرشوة و الفساد بوصفهما من أخطر معوّقات السوق الحر، إلا أن غياب هذه المبادئ أو ضعف تطبيقها يفرغ مفهوم السوق الحر من مضمونه الحقيقي.
المنتج الوطني متضرر
ماذا عن تأثيرات النظام الاقتصادي الحالي على المنتج الوطني وبخاصة بعد إغراق السوق بالمنتجات المستوردة وتوقف العديد من المصانع عن العمل، وكيف يمكن الحفاظ على سوق ترعى هذا المنتج وتضمن عدم كساده؟
يوضح الخبير الاقتصادي، أن النموذج الاقتصادي الحالي ألحق أضراراً كبيرة بالعديد من الصناعات الوطنية نتيجة غياب القوانين والتشريعات التي تحمي الإنتاج المحلي. وقد ساهم انعدام الرقابة على الاستيراد في إغراق السوق بسلع أجنبية منخفضة الجودة أو مجهولة المصدر، تدخل دون الالتزام بالمواصفات أو معايير السلامة، وغالباً بأسعار تقل عن كلفة الإنتاج المحلي. هذا الواقع خلق منافسة غير عادلة جعلت المنتج الوطني، المثقل بتكاليف الطاقة والضرائب والتمويل، عاجزًا عن مجاراة الأسعار، مهما بلغت جودة منتجه، ما دفع عددًا كبيرًا من المصانع إلى تقليص إنتاجها أو الخروج من السوق نهائياً.
ويؤكد الزنبركجي أن الحفاظ على تواجد المنتج الوطني في ظل هذا الانفلات التنظيمي هو مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الدولة والمصنّعين في آن واحد، حيث يتمثل دور الدولة في اتخاذ إجراءات حمائية مدروسة، أبرزها رفع الرسوم الجمركية على المستورد المنافس للمنتج المحلي، تقديم دعم محسوب للمواد الأولية و الطاقة، إلى جانب تخفيف التعقيدات الإدارية و الرسوم التي ترهق المنتج الوطني بدل تمكينه من التطور و النمو.
حلول مقترحة
ويقترح الزنبركجي تأسيس شركات قابضة حكومية تُدار بعقلية احترافية و بآليات ورواتب مماثلة للشركات القابضة العالمية، لتكون صمام أمان يتدخل عند حالات الاحتكار أو الغش أو فرض الأسعار القسرية على السوق.
إضافة إلى أهمية دعم المشاريع الصغيرة و المتوسطة، حيث تبرز أهمية تأسيس شركات استشارات اقتصادية متخصصة تقدم دراسات جدوى حقيقية، مع إمكانية المشاركة في رأس المال للمشاريع المتفردة بأفكارها وسرعة دورة رأس المال فيها، كما يشكّل منح تسهيلات خاصة للمستثمرين السوريين، سواء المقيمين أو المغتربين، عنصراً محورياً في تحفيز الاستثمار، و ذلك عبر إعفاءات ضريبية كاملة لمدة عشر سنوات قابلة للتجديد، إضافة إلى تخصيص مناطق حرة متخصصة معفاة من الضرائب.
دعم الصناعيين
كما يقترح الزنبركجي فكرة دعم الصناعة من خلال إعفاء الصناعيين من الضرائب لفترة تمتد لخمس سنوات وتوفير برامج تمويل منخفضة الفائدة مشروطة بتحديث المنشآت و الآلات، خطوة ضرورية لرفع جودة المنتج الوطني وتمكينه من مواجهة المنافسة القادمة من البضائع المستوردة. يكتمل ذلك بتأسيس مصرف صناعي في كل مدينة يمنح قروضاً قصيرة الأجل لاستيراد المواد الأولية وفق جداول تتناسب مع الدورة الإنتاجية، إلى جانب الاهتمام الجدي بترميم البنية التحتية للمدن الصناعية وتأمين الكهرباء لها على مدار الساعة وبأسعار مخفضة.
في مرحلة لاحقة، يصبح من الضروري الانتقال من الحلول الإسعافية إلى رؤية استراتيجية طويلة الأمد تقوم على تحويل المدن الصناعية الحالية، التي هي عمليًاً مدن معامل، إلى مدن صناعية حقيقية متكاملة المفهوم والمنظومة، تضم مرافق للبحث و التطوير، والتدريب المهني، والخدمات اللوجستية، والتصدير، مع تخصيص مناطق حرة صناعية متخصصة معفاة من الضرائب لدعم الإنتاج الموجّه للأسواق الخارجية.
ويختتم الزنبركجي بالتأكيد على أن المشكلة الأساسية لا تكمن في تبنّي مبدأ اقتصاد السوق الحر بحد ذاته، بل في تطبيقه بصورة مشوّهة تفتقر إلى الضوابط والرقابة والعدالة. فاقتصاد السوق الحر الحقيقي هو اقتصاد منظم، تحكمه القوانين، تحميه الدولة و تُصان فيه حقوق المستهلك، المنتج والمستثمر على حد سواء، ومن دون إعادة بناء هذا الإطار التنظيمي، سيبقى المنتج الوطني الحلقة الأضعف، وستبقى السوق ساحة مفتوحة للفوضى بدل أن تكون رافعة حقيقية للنمو و التنمية و الاستقرار الاقتصادي.