الحرية – منال الشرع:
يعد ارتفاع أسعار الطاقة سواء الكهرباء أو الوقود من القضايا المحورية التي تؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد السوري والمواطن.
يتناول الدكتور والباحث الاقتصادي فراس شعبو في تصريحه لـ”الحرية” الأبعاد المختلفة لهذه الزيادة بدءاً من تأثيرها على تكاليف المعيشة والإنتاج وصولاً إلى الجدل الدائر حول الدعم الحكومي وفواتير الكهرباء الاخيرة.
وفي التفاصيل -حسب شعبو- فإن ارتفاع أسعار الطاقة بشكل عام، سواء كانت كهرباء أم وقوداً، سيؤدي حتماً إلى زيادة في تكاليف المعيشة، وزيادة في تكاليف الإنتاج، كما سيؤدي إلى ضغوط تضخمية بشكل عام، ويضيف إن هذا التأثير يكون أشد وطأة خاصة ونحن في اقتصاد هش، حيث لا تُعتبر الطاقة بالنسبة له مجرد سلعة، بل هي شيء أساسي ومدخل إنتاج رئيسي لكل القطاعات.
فقد شهدنا اليوم حالة الاستياء من فاتورة الكهرباء التي أثرت على الوضع المعيشي، وأثرت على تكاليف النقل وساهمت في تآكل الدخل نوعاً ما، حيث أصبح جزء منه يتحول لتغطية تكاليف الطاقة، ويؤكد أن هذا الأمر يؤدي إلى تراجع القوة الشرائية، فمن المؤكد أن ارتفاع أسعار الطاقة، سواء كان نفطاً أو غازاً أو بنزيناً أو كهرباء، سيؤدي إلى ارتفاع أسعار المنتجات والتكاليف، وهو ما يُسمى “التضخم الناتج عن التكاليف”، فالطاقة هي العمود الفقري لأي إنتاج في البلد.
ويشير شعبو ، إلى أن هذا الارتفاع سيزيد الكلفة، وسيؤدي إلى انخفاض القدرة التنافسية للمنتج السوري، ومن المؤكد أنه سيترتب على ذلك خروج الكثير من المنشآت الصغيرة التي لا تمتلك القدرة على المنافسة في ظل هذه الأسعار، ويوضح أنه في اقتصاد ضعيف نوعاً ما، يعاني أساساً من ضعف في إنتاجه، سيكون الأثر عليه مضاعفا. أما على مستوى النمو، فمن المؤكد أن هذا سيؤدي إلى انكماش نسبي في النمو وانخفاض في الطلب.
ويؤكد شعبو ، إنه إذا تم رفع الأسعار بشكل مدروس، وكان ذلك مرفقاً بإصلاح فعلي في البنية التحتية والبيئة الاستثمارية وتحسن في الخدمة، فإنه يعتقد أن هذا الأمر سينعكس إيجاباً على معدلات النمو، لأنه يخفف من فاتورة الدعم الحكومي، وحول مسألة الدعم، يوضح أن السؤال ليس ما إذا كنا مع الدعم أم ضده، بل السؤال هو: كيف يُدار الدعم؟ فالدعم هو بالتأكيد حماية للمواطنين ويؤدي إلى نوع من الاستقرار المجتمعي، ولكن من مساوئه أنه يُفقد الموازنة العامة توازنها، وقد يشجع على سوء الاستخدام، كما يستفيد منه الأغنياء أكثر من الفقراء بشكل أو بآخر.
ووفق شعبو، يجب علينا أن نوجه الدعم ليكون مخصصاً للفئات الضعيفة والهشة، وأن يكون هناك تسعير منطقي للقطاعات الاقتصادية الحيوية، مع تحسين الخدمة في المقابل، ويضيف: “أنت اليوم ترفع عليّ السعر، يجب أن تحسن الخدمة”، وهذا الأمر يمكن أن يُفهم من خلاله السعي نحو إصلاح أو تقليل الهدر، سواء كان فنياً أم إدارياً.
وأكد شعبو أنه غير مقتنع تماماً بموضوع الطاقة وأسعارها في سوريا، ويعتقد أن هناك مبالغة كبيرة في مشكلة رفع الأسعار ، وقد تكون هناك عدادات فيها خلل أو مشكلة ما، ويقارن الوضع بتركيا قائلاً: “ففي تركيا أسعار الطاقة مرتفعة جداً، ومع ذلك لا تأتي فاتورة تتجاوز خمسين دولاراً في أحسن الأحوال إذا شغلت البيت كله”.
ويعتقد أن في سوريا مشكلة في العدادات، ومشكلة في المدة التي أُخذت فيها قراءات العدادات، حيث إن بعض الأشخاص لم تؤخذ قراءة عداداتهم لشهرين أو ثلاثة أو حتى خمسة أشهر وسنة. ويضيف أن فترة الشهرين قد تكون نسبة كبيرة، ففي تركيا ومعظم دول العالم، الفاتورة شهرية، بينما في سوريا هي كل شهرين، ويذكر أنه اكتشف الآن في حلب أن الفواتير بدأت تصدر بحدود مئة وعشرين إلى مئة وثلاثين ألفاً وسطياً، وهذا مبلغ مقبول على مستوى شهرين، ليس مرتفعاً ولا منخفضاً.
ووفق شعبو، يجب أن نكون منصفين مع الدولة ونراعي أنها فعلاً بحاجة إلى موارد، ويقول: أنا لست مع أن ترتفع تكاليف الطاقة، ولكنني لست مع التضخيم الذي حصل وأن فواتير الطاقة تتجاوز المليونين والثلاثة ملايين، فمن تصل فاتورته إلى ثلاثة ملايين، لا بد أن لديه خطأ ما، إما في استهلاكه أو لديه هدر أو أن قراءة عداده ليست سليمة، ويدعو إلى أن نكون منطقيين قليلاً حتى نبني الدولة بشكل صحيح.
ويشير شعبو، إلى أنه إذا كنا جميعاً نريد متطلبات من الدولة ولا نريد أن نقدم شيئاً لها، فهذه كارثة، ويؤكد ضرورة أن يلعب الإعلام دوراً صحيحاً وتوعوياً، يجب أن يكون الدور توعوياً بأن المستهلك إذا قام بإدارة استهلاكه نوعاً ما، فمن الممكن أن يكفيه، وسيدفع ما بين مئة وخمسين إلى مئتي ألف كل دورة، صحيح أن هناك ضغطاً على المواطن ومشاكل اجتماعية واقتصادية، ولكن هذا هو الواقع.
ويوضح شعبو، إن تزييف الحقائق حول الكهرباء بهذا الحجم، أو عدم وصول الكهرباء إلا لساعة أو ساعتين، لا يمنع عملية تطوير الشبكة وتحسينها ،و إن العمليات الإصلاحية يرافقها الألم دائماً حتى يتم الوصول إلى الشفاء، أمام الواقع الاقتصادي السييء ، ولكن هذا هو باب الواقع، والحكومة أيضاً ليس لديها موارد.
ويرى الدكتور شعبو أن التمويل ضروري لأن الحكومة استلمت خزائن فارغة وعجزاً غير طبيعي، ومع فكرة أن الرفع التدريجي للدعم هو الخيار الأمثل بدلاً من رفعه دفعة واحدة. فالرفع التدريجي كل ستة أشهر، على سبيل المثال، يمكن أن يساهم في تأمين حماية للأسر ذات الدخل المحدود.
ويسلط الضوء شعبو على أن هذا الأمر برمته مرتبط بوجود مراكز إحصاء وبيانات دقيقة، وهو ما يكاد يكون معدوما في سوريا، فالتجربة التركية خير مثال على تجاوز هذه الامور حيث تحدد حدا أدنى للدخل، ومن خلال نظام الحكومة الإلكترونية (e-devlet)، تستطيع الوصول إلى كافة بيانات المواطن، وبذلك، تتمكن الحكومة من تحديد الفئات الفقيرة بدقة وتقديم المساعدة الفعلية لها، والتي قد تصل إلى خصم 60% على فواتير الكهرباء والغاز.
ويرى الدكتور شعبو أن تطبيق مثل هذا الإجراء في سوريا يتطلب بنية تحتية قوية ومراكز إحصائية فعالة لتحديد من هو المحتاج من غيره.
ويشير إلى أن نسبة الفقر في سوريا اليوم قد تجاوزت 70%، مما يوضح صعوبة الوضع السوري.
وينوه شعبو، بأن قرار رفع أسعار الطاقة هو قرار اقتصادي صعب، ورغم سهولته من الناحية النظرية، إلا أنه ضرورة مالية لتجنب انهيار الدولة في حال استمرت بالأسعار المدعومة السابقة، ولكنه في الوقت ذاته، يحمل مخاطر اجتماعية كبيرة إذا لم تتم إدارته بحكمة. إذ يجب أن يترافق هذا القرار مع تحسين جودة الخدمات ليشعر المواطن بفائدة ملموسة، بالإضافة إلى تنظيم عملية قراءة العدادات لضمان دقتها ومصداقيتها. ويرى أن هذا النهج قد يساهم في إنعاش الوضع الاقتصادي والخدمي والاجتماعي في سوريا.