الحرية – نهلة أبوتك:
في لحظة دقيقة تعيشها سوريا، حيث تتقاطع التحولات الاقتصادية مع تعقيدات المشهد السياسي، لم يعد الإعلام مجرد وسيط لنقل الوقائع، بل تحوّل إلى عنصر فاعل في تشكيل الوعي العام، وإعادة ترميم الثقة، بل وحتى التأثير في بيئة الاستثمار.
هذا التحول يطرح سؤالاً جوهرياً هل ينجح الإعلام السوري في مغادرة دور ناقل الأزمات إلى موقع الشريك في التعافي الاقتصادي؟ أم يبقى أسير خطابين متناقضين، أحدهما يجمّل الواقع والآخر يغرق في سوداويته؟
مدير المركز الصحفي السوري، الإعلامي أكرم الأحمد في حديثه للحرية، يقدّم مقاربة مختلفة، تنطلق من فكرة بسيطة وعميقة في آن واحد الثقة لا تُبنى بالتجميل، بل بالفهم.
بين الحقيقة والتفاؤل… مساحة الثقة
يضع الأحمد يده على واحدة من أكثر الإشكاليات حضوراً في الخطاب الإعلامي، وهي الاعتقاد بأن رفع المعنويات يمرّ عبر تخفيف حدة الواقع أو تجاهل تعقيداته.
لكن التجرب، برأيه، تثبت العكس تماماً.
فالإعلام حين يختار الصدق، لا يعني ذلك أن يتخلى عن الأمل، بل أن يعيد تقديمه على أساس واقعي، أن يشرح ما يجري، لماذا يحدث، وما الذي يُفعل حياله، وما هي السيناريوهات الممكنة—نجاحاً أو تعثراً؟
بهذا المعنى، لا يكون الإعلام ناقلاً للقلق، بل ناقلاً للفهم.
وحين تُبنى الرسالة الإعلامية على معلومات دقيقة، وأرقام واضحة، وسياق يشرح الصورة كاملة، تتشكل علاقة أكثر متانة مع الجمهور، قائمة على الثقة لا الانطباع.
في المقابل، يحذّر الأحمد من خطين يضعفان هذه العلاقة:
خطاب يطالب بالصبر دون تقديم تفسير،
وآخر يراكم الإحباط دون أن يفتح نافذة للحلول.
وكلاهما في النهاية، يسحب من الإعلام قدرته على التأثير.
الاستثمار لا يبحث عن الصورة… بل عن الوضوح
في ملف الاستثمار، تبدو المعادلة أكثر حساسية، فرأس المال، كما يشير الأحمد، لا يتحرك بدافع الانطباعات، بل استناداً إلى القدرة على الفهم والتنبؤ.
لا تكفي صورة إيجابية أو حملة ترويجية لخلق بيئة جاذبة، بل يحتاج المستثمر إلى منظومة واضحة من قوانين مستقرة، معلومات متاحة، قصص نجاح حقيقية، ولغة اقتصادية دقيقة تخاطبه بلغته.
هنا، يتقدّم دور الإعلام بوصفه “مترجماً” لهذه البيئة، لا مروّجاً لها.
ترجمة تعني تبسيط التعقيد، وتقديم المعلومة كما هي، وإتاحة صورة قابلة للتحقق، بعيداً عن الشعارات.
كما يبرز دور لا يقل أهمية هو إدارة الشائعات.
ففي بيئة اقتصادية حساسة، يمكن لمعلومة غير دقيقة أن تُربك قراراً استثمارياً كاملاً، ما يجعل سرعة الاستجابة الإعلامية عاملاً حاسماً في ضبط الإيقاع.
تحديات بنيوية… حين يغيب العمق
ورغم هذا الدور المتوقع، لا يزال الإعلام يواجه تحديات تعيق تحوّله الحقيقي.
أبرزها، كما يراها الأحمد، غياب البيانات الدقيقة، وضعف التخصص، والتعامل مع الإعلام كأداة نشر لا كأداة تأثير.
إلى جانب ذلك، يظهر الخلل في ضعف التنسيق بين المؤسسات، والخوف من إتاحة المعلومات، والتأخر في مواكبة التحول الرقمي متعدد المنصات.
هذه العوامل مجتمعة تدفع كثيراً من المحتوى الإعلامي نحو السطحية، ليبقى أقرب إلى “نشرات” تنقل ما يُقال، بدل أن تفسّر ما يحدث.
من الخطاب إلى البنية… أين يبدأ التغيير؟
التغيير، وفق هذه الرؤية، لا يبدأ من اللغة فقط، بل من البنية التي تنتجها.
إعلام قادر على التأثير يحتاج إلى أدوات عمل مختلفة: وحدات متخصصة بالصحافة الاقتصادية، بنوك معلومات مفتوحة، تشريعات تنظّم تدفق البيانات، وآليات واضحة للتنسيق بين الجهات المعنية.
كما يبرز الاستثمار في المحتوى الرقمي، واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتدريب القيادات الإعلامية على إدارة الاتصال في الأزمات، بوصفها عناصر أساسية لا يمكن تجاوزها.
هي ليست تحسينات شكلية، بل إعادة تعريف لوظيفة الإعلام ودوره في المرحلة المقبلة.
شراكة ممكنة… إذا تغيّرت المقاربة
ضمن هذا السياق، يطرح الأحمد تصوراً عملياً لدور الإعلام في التعافي الاقتصادي، يقوم على تقليل الغموض، وربط السوق بصنّاع القرار، وتحسين صورة البلاد خارجياً، وتعزيز المساءلة عبر نشر مؤشرات الأداء.
حينها فقط، لا يعود الإعلام ناقلاً للقرار، بل شريكاً في دعمه، عبر خلق بيئة أكثر وضوحاً وثقة.
ملامح المرحلة المقبلة
الإعلام الذي تحتاجه المرحلة، كما تتبدى ملامحه، هو إعلام صادق دون قسوة، واقعي دون إحباط، وتفسيري لا يكتفي بالسرد.
إعلام يعمل ضمن مؤسسات، لا أفراد، ويخاطب الداخل والخارج بلغة مهنية، مع تركيز واضح على الاقتصاد وفرص العمل.
التحول الأعمق، ربما، يكمن في الانتقال من الدفاع إلى البناء، بناء الموثوقية، بوصفها العملة الأكثر قيمة في زمن تتنافس فيه الدول على سمعتها بقدر تنافسها على مواردها.
حين يصبح الإعلام أصلاً اقتصادياً
ويختم الأحمد حديثه بأنه، لم يعد الإعلام قطاعاً مكمّلاً، بل بات جزءاً من معادلة التعافي ذاتها، إما أن يظل في موقع المتلقي، فيتراجع تأثيره تدريجياً، أو يعيد تعريف نفسه كأداة معرفة، تبني الثقة، وتفتح الطريق أمام الاستثمار.
وفي هذا التحول، لا يكون الإعلام شاهداً على التعافي… بل أحد صُنّاعه.