الحرية_ رشا عيسى:
في اقتصاد أنهكته سنوات طويلة من الانكماش والعزلة، لا يُقاس أي خبر استثماري بحجمه المالي فقط، بل بتوقيته، ونوعيته، وما يحمله من رسائل غير مكتوبة، الإعلان المرتقب عن توقيع حزمة استثمارات سعودية كبيرة في سوريا يندرج ضمن هذا النوع من التطورات التي تتجاوز كونها أرقاماً على الورق، لتلامس جوهر التحول الاقتصادي الممكن في البلاد.
وتمثّل الاستثمارات السعودية فرصة اقتصادية حقيقية لسوريا، وربما واحدة من أهم الفرص منذ سنوات طويلة، لكنها في الوقت ذاته تشكّل اختباراً جدياً لقدرة الاقتصاد السوري على الانتقال من مرحلة الجمود إلى مسار تعافٍ فعلي.
عقود تنفيذ
ويشير الباحث الاقتصادي الدكتور سامر رحال في حديث لـ”الحرية” إلى أن ما يميّز هذه الخطوة هو طبيعتها العملية، إذ تتحدث المعلومات المتداولة عن عقود تنفيذ فعلية، لا عن مذكرات تفاهم أو تعهدات استثمارية مؤجلة، ويمنح هذا الأمر الاستثمارات السعودية وزناً اقتصادياً حقيقياً، بعيداً عن الطابع السياسي أو الرمزي الذي طبع العديد من المبادرات السابقة.
توقيت مفصلي
وتأتي هذه الاستثمارات في لحظة يحاول فيها الاقتصاد السوري، ولو ببطء، الانتقال من إدارة الأزمة إلى البحث عن مسار تعافٍ تدريجي، بعد أكثر من عشر سنوات من التدهور الحاد في البنية التحتية، وخروج شبه كامل لرأس المال الأجنبي، ووفقاً لرحال فإن أهمية التوقيت لا تقل عن أهمية حجم الاستثمارات نفسها.
قطاعات بنيوية
اللافت في الحزمة الاستثمارية المرتقبة هو تركيزها على قطاعات بنيوية تشكّل الأساس لأي نشاط اقتصادي مستدام، بعيداً عن المشاريع قصيرة الأجل أو ذات الطابع الاستهلاكي، وهو ما يمنحها بعداً استراتيجياً طويل الأمد.
أولوية اقتصادية واجتماعية
يُعد قطاع المياه اليوم أحد أكثر التحديات إلحاحاً في سوريا، سواء من حيث الأمن المائي أو الكلفة المرتفعة للحصول على الخدمة، ويؤكد الدكتور رحال أن أي استثمار في تحلية المياه، أو نقلها، أو تطوير شبكاتها، سينعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين، ويخفف الضغط عن القطاعين الزراعي والصناعي، ويحد من الاعتماد على حلول مؤقتة ومكلفة، لذلك يُنظر إلى هذا القطاع باعتباره من أكثر مجالات الاستثمار ذات الأثر الاجتماعي والاقتصادي المباشر.
بوابة الاقتصاد الرقمي
أما قطاع الاتصالات، الذي لا يزال يعاني من تعثر واضح، فلم يعد مجرد خدمة عامة، بل شرط أساسي لاندماج أي اقتصاد في العصر الرقمي، ويرى رحال أن دخول شركة إقليمية بحجم STC إلى السوق السورية –في حال تم ضمن أطر تنظيمية وتنافسية واضحة– قد يسهم في تحديث البنية التحتية الرقمية، وتحسين جودة الخدمات، وفتح المجال أمام الاقتصاد الرقمي، بما يشمل رقمنة التعليم والخدمات الصحية، وهي قطاعات يمكن أن تشكّل محركات نمو بديلة في اقتصاد محدود الإنتاجية.
إعادة وصل سوريا بالمنطقة
وفي ما يتعلق بقطاع الطيران، فإن إعادة تأهيل المطارات أو تأسيس شركات طيران خاصة بدعم إقليمي تعني عملياً إعادة ربط سوريا بشبكات النقل والتجارة والسفر الإقليمي، ورغم أن هذا القطاع قد يبدو أقل إلحاحاً مقارنة بالمياه أو الاتصالات، إلا أنه يلعب دوراً محورياً في تسهيل حركة رجال الأعمال، وخفض تكاليف النقل، وتنشيط قطاعات مرتبطة به مثل السياحة العلاجية والخدمات اللوجستية.
رسالة ثقة
من منظور أوسع، تحمل هذه الاستثمارات رسالة ثقة بالغة الأهمية للأسواق، فدخول شركات سعودية كبرى بعقود تنفيذ فعلية يبعث بإشارة واضحة إلى المستثمرين الآخرين بأن المخاطر السياسية والاقتصادية، رغم استمرارها، باتت قابلة للإدارة، وغالباً ما تشكّل مثل هذه الخطوات نقطة تحول نفسية تسبق التحول الاقتصادي، وتشجع رؤوس الأموال المترددة، ولاسيما السورية في الخارج، على إعادة النظر في فرص العودة التدريجية.
تحديات البيئة الاستثمارية
مع ذلك، يحذّر الدكتور رحال من الإفراط في التفاؤل، مؤكداً أن نجاح أي استثمار أجنبي في سوريا يبقى مرهوناً بتوافر بيئة قانونية واضحة، وإجراءات شفافة، وضمانات حقيقية لحماية رأس المال، إلى جانب تقليص البيروقراطية وتعزيز الحوكمة.
فالتجارب السابقة أظهرت أن التحدي لا يكمن في توقيع الاتفاقيات، بل في تنفيذها بكفاءة وضمن جداول زمنية واضحة.
تعافٍ تدريجي
كما يشدد رحال على أن الأثر الإيجابي لهذه الاستثمارات لن يكون فورياً أو متساوياً بين جميع المناطق أو الفئات الاجتماعية، وحتى في أفضل السيناريوهات، سيبقى التعافي الاقتصادي تدريجياً وقد يستغرق سنوات قبل أن ينعكس بشكل ملموس على مستويات الدخل والمعيشة، ما يجعل إدارة التوقعات العامة أمراً ضرورياً.