الحرية ـ سراب علي:
تتواصل الجهود الحكومية لإعادة تنشيط الاقتصاد الوطني، وتؤكد خطة هيئة الاستثمار في سوريا لعام 2026 على تطوير البنية التحتية وتعزيز التحول الرقمي، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لضمان استمرارية وجاذبية الاستثمار، وخلق فرص عمل نوعية، واستقطاب الكفاءات السورية في الداخل والخارج, هذا التوجه يبرز أهمية الأدوات المالية الحديثة، وفي مقدمتها التحويلات المالية للمغتربين، ودور الاقتصاد الرقمي في تعظيم أثرها التنموي، وقدرة أنظمة الدفع الإلكتروني والخدمات المالية الرقمية على دعم التنمية وتجاوز التحديات الاقتصادية الراهنة.
عبود: يعزز تطوير أنظمة الدفع الإلكتروني تجاوز عوائق التكاليف والقيود التنظيمية
شريان حيوي
هنا يوضح أستاذ العلاقات الدولية في كلية الاقتصاد بجامعة اللاذقية، الدكتور ذو الفقار عبود، أهمية التحويلات المالية يوماً بعد آخر، بوصفها شرياناً اقتصادياً حيوياً، يعتمد عليه نحو مليار شخص حول العالم، حيث يرسل ما يقارب 200 مليون عامل مهاجر أموالهم سنوياً إلى أوطانهم، مستفيداً منها نحو 800 مليون فرد من أسرهم.
ولفت عبود إلى أن التقديرات تشير إلى أن تدفقات التحويلات المالية إلى البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل بلغت نحو 685 مليار دولار أمريكي في عام 2024، مؤكدة قدرتها على الصمود والاستمرار حتى في أوقات الأزمات الصحية والسياسية والاقتصادية، ما يجعلها من أكثر مصادر التمويل الخارجي استقراراً.
وأضاف عبود: رغم أن قيمة التحويل الواحد غالباً ما تكون محدودة، تتراوح بين 200 و300 دولار أمريكي، فإن أثرها بالغ على الأسر المستفيدة، إذ تسهم في تلبية الاحتياجات الأساسية ودعم الاستقرار المعيشي، كما يُوجَّه نحو ربع هذه التحويلات للاستثمار في التعليم والرعاية الصحية والادخار وبناء الأصول المدرة للدخل.
ولفت إلى أنه خلال العقدين الماضيين، تضاعفت تدفقات التحويلات المالية خمس مرات، وذهب أكثر من ثلثها إلى المناطق الريفية، ما ساعد على تحسين سبل العيش وتعزيز الأمن الغذائي، لا سيما في المجتمعات الأكثر هشاشة، وفي البيئات الهشة وشديدة الهشاشة، وتوفر التحويلات المالية ما يصل إلى 50 ٪ من التمويل الإنمائي الخارجي، متجاوزة 134 مليار دولار أمريكي في عام 2023.
تمثل تحدياً
وبين عبود أنه يمتد تأثير التحويلات المالية إلى مستوى الاقتصاد الكلي، إذ تعتمد أكثر من 77 دولة عليها بما لا يقل عن 3٪ من ناتجها المحلي الإجمالي، فيما تتجاوز هذه النسبة 10 ٪ في نحو 30 دولة، ما يعكس دورها المحوري في دعم التنمية الوطنية.
موضحاً أنه رغم هذه الأهمية، لا تزال تكلفة التحويلات تمثل تحدياً، إذ يبلغ متوسطها عالمياً 6.4٪ من قيمة المبلغ، وهو أعلى من النسبة المستهدفة في أهداف التنمية المستدامة، غير أن التحول الرقمي يفتح آفاقاً واعدة لخفض التكاليف وتعزيز الشمول المالي، من خلال تمكين المستفيدين من الادخار والوصول إلى الخدمات المالية، فضلاً عن دعم التكيف مع التغير المناخي وتعزيز القدرة على مواجهة الصدمات الاقتصادية والبيئية.
أكثر فعالية مع الشراكات
ولفت أستاذ العلاقات الدولية إلى أن التحويلات المالية تكون أكثر فعالية مع الشراكات، فقد ساعد التعاون الاستراتيجي بين الحكومات والهيئات التنظيمية والجهات الفاعلة في مجال التنمية والقطاع الخاص على خفض تكاليف التحويل وتوسيع نطاق الوصول إلى الخدمات وتطوير نظم إيكولوجية شاملة للتمويل الرقمي، ويمكن أن يؤدي المزيد من الشراكات بما في ذلك ابتكارات التمويل الأخضر إلى توسيع نطاق أثر التحويلات المالية، واستثمارات المغتربين لبناء القدرة على الصمود مالياً ومناخياً.
وأكد عبود أنه يمكن للاقتصاد الرقمي مضاعفة هذا الأثر بتقليل التكاليف وزيادة السرعة وتحسين الشمول المالي وفتح آفاق استثمارية جديدة؛ بينما يعزز تطوير أنظمة الدفع الإلكتروني تجاوز عوائق التكاليف والقيود التنظيمية.
ورغم تحديات البنية التحتية، يشير عبود إلى أن الخدمات المالية الرقمية تشكل بديلاً عملياً وفعّالاً، ما يدفع عجلة التنمية المستدامة قُدماً، من جانب آخر، تلعب التحويلات دوراً كبيراً في التنمية الاقتصادية من خلال تأثير الاقتصاد الرقمي عليها، حيث تُعد شريان حياة يوفر الاحتياجات الأساسية ويقلل الفقر، ما يعزز الاستقرار الاجتماعي، ويعزز زيادة الإنفاق الاستهلاكي وتوفير رأس مال للاستثمار في المشاريع الصغيرة، ما يدفع النمو الاقتصادي المحلي، كما تعدّ من مصادر النقد الأجنبي حيث تزيد من احتياطيات النقد الأجنبي وتدعم ميزان المدفوعات، وتعزز من الشمول المالي حيث تدمج شرائح واسعة من المجتمع في النظام المالي الرسمي.
فتح فرص استثمارية
ويرى عبود أنه يمكن تعظيم أثر التحويلات المالية عبر الاقتصاد الرقمي من خلال خفض التكاليف والسرعة، فتقنيات التكنولوجيا المالية (FinTech) توفر منصات رقمية سريعة ومنخفضة التكلفة، ما يقلل من الرسوم ويجعل التحويلات أكثر كفاءة، وكذلك من خلال الوصول والتضمين لأن تطبيقات الهواتف الذكية تتيح وصولاً أوسع للخدمات المالية، خاصة في المناطق الريفية، ناهيك بفتح فرص استثمارية لأنها تمكّن من توجيه جزء من التحويلات نحو الاستثمارات الرقمية والمدخرات، بدلاً من الاستهلاك فقط.
أما كيف يمكن تطوير أنظمة الدفع لتجاوز العقبات، فيشير أستاذ العلاقات الدولية أنه يمكن تجاوز التكاليف والقيود من خلال خفض رسوم التحويل، فالمنصات الرقمية وتطبيقات الدفع تقلل الاعتماد على الوسطاء، مما يخفض الرسوم الباهظة، كذلك تعزز السرعة والشفافية وتوفر رؤية فورية وتتبعاً للتحويلات، متجاوزة بطء وتعقيدات الأنظمة التقليدية. ويضاف لذلك الامتثال التنظيمي، فالأنظمة الرقمية يمكن أن تدمج آليات الامتثال بسهولة، مما ييسر التعامل مع القيود التنظيمية، كما أنها محفز للشمول حيث تسهل الوصول للأفراد غير المتعاملين مع البنوك، مما يعزز الشمول المالي.
تحديات الحلول الرقمية
رغم كل ما سبق، يبين عبود أن هناك تحديات أمام الاقتصاد الرقمي والحلول الرقمية، ومن أبرزها، البنية التحتية الرقمية مثل ضعف الإنترنت، وقلة انتشار الهواتف الذكية في بعض المناطق، الأمن السيبراني والثقة مثل مخاطر الاحتيال والقرصنة، والحاجة لبناء ثقة المستخدمين في المنصات الرقمية، ثم الشمول الرقمي المتمثل في فجوة المهارات الرقمية بين الفئات السكانية، ثم البيئة التنظيمية كالحاجة لتطوير أطر تنظيمية مرنة تدعم الابتكار دون المخاطر.
وختم عبود بالقول إنه يمكن اعتماد الخدمات المالية الرقمية كبديل عملي، مثل إنشاء محافظ رقمية وتطبيقات توفر حلولاً سهلة وآمنة لاستلام الأموال واستخدامها محلياً، والتمويل الجماعي والعملات المشفرة (بشروط) والتي قد توفر أدوات لتمويل المشاريع الصغيرة وتحويلات أسرع، مع ضرورة تنظيمها، ناهيك بالحلول القائمة على الهواتف الذكية التي تسهم في تحويل التحويلات من مجرد دعم استهلاكي إلى محفز للتنمية المستدامة، مما يعزز الاقتصاد الوطني.