الحرية- سناء عبد الرحمن:
يُعد توفر البيانات الإحصائية الموثوقة شرطاً أساسياً لأي عملية تخطيط اقتصادي فعّال، خصوصاً في الدول التي تمرّ بمرحلة إعادة بناء اقتصاداتها ومؤسساتها، وفي سوريا لا يقتصر التحدي على شحّ الأرقام أو تأخر نشرها، ما ينعكس مباشرة على جودة السياسات العامة ودقة القرارات الاقتصادية، هذا الغياب يخلق فجوات منهجية، ويضعف القدرة على قياس الواقع الاقتصادي والاجتماعي بصورة قابلة للمقارنة والتتبع.
في هذا السياق، يوضح الدكتور خضر العكاري، الباحث والمحاضر في الإحصاء والاقتصاد القياسي لـالحرية”، أن المشكلة الإحصائية في سوريا ليست تقنية بحتة، بل بنيوية وتمس كامل دورة التخطيط الاقتصادي، من تعريف المؤشرات إلى استخدامها في رسم السياسات.
تشوّه منهجي
يؤكد الدكتور العكاري أن غياب الأرقام الإحصائية في سوريا لا يخلق فراغاً معلوماتياً فحسب، بل يُنتج تشوهاً منهجياً يمتد عبر جميع مراحل إنتاج البيانات، ويبدأ الخلل من تعريف المجتمع الإحصائي وحدود التغطية، لينتقل لاحقاً إلى إطارات المعاينة، وتكرار تنفيذ المسوح، وضعف تكامل البيانات الإدارية بين المؤسسات.
تضارب التعاريف
يشير العكاري إلى أن السلاسل الزمنية للبيانات تتباعد بين مؤسسة وأخرى، مع تعدد التعاريف للمتغير الإحصائي الواحد، مثل التشغيل، والبطالة، والدخل، والأسعار، وهذا التباين يضعف قابلية المقارنة عبر الزمن وبين المحافظات، خاصة في ظل غياب نظام موحّد للتصنيف القطاعي وخرائط الترميز ومفاتيح البيانات.
تأخر النشر وضعف الربط
ويلفت الخبير الإحصائي إلى أن تأخر نشر البيانات وغياب سياسة واضحة للمراجعات الإحصائية يؤثران سلباً على موثوقية المؤشرات، كما يبرز ضعف الربط بين الحسابات القومية وإحصاءات المالية العامة وميزان المدفوعات، ما يحول دون بناء صورة كلية متماسكة للاقتصاد السوري.
وبحسب تقييمات أممية لواقع المنهجيات والمنتجات الإحصائية، تظهر فجوات كبيرة في بيانات سوق العمل من حيث التغطية والجودة، ويضيف العكاري: هذه الفجوات تعترف بها الجهات الرسمية نفسها عند الحديث عن تحديات الإنتاج الإحصائي ونقص البيانات في القطاعات الأساسية.
شرط لإعادة البناء الاقتصادي
يشدد العكاري على أنه في مرحلة إعادة بناء الاقتصاد، لا يكفي وجود أرقام متفرقة أو تقديرات غير قابلة للتحقق، بل لا بد من بيانات يمكن تتبعها، والتحقق من مصادرها، وإعادة استخدامها في التحليل وصنع القرار.
من التقنية إلى الحوكمة
يرى الدكتور العكاري أن الحل يبدأ بإنشاء منصة وطنية موحّدة للبيانات، تقودها الجهة الإحصائية الرسمية، وتخدم في الوقت نفسه الحكومة والباحثين والقطاع الخاص، هذه المنصة تعني وجود كتالوج بيانات موحّد، وميتا داتا إلزامية، وتعريفات معيارية، ومؤشرات جودة واضحة تشمل الدقة والاتساق والآنية والشمول.
ويضيف: إن المنصة يجب أن تتيح ربط البيانات الإدارية للوزارات بسلاسل إحصائية منشورة، عبر واجهات برمجية وتنسيقات تبادل معيارية مثل SDMX، وبروتوكولات نشر ثابتة.
الشفافية الدولية
كما يوضح العكاري أن الانضمام العملي إلى أطر نشر البيانات الدولية يفرض معايير للشفافية، ويحدد جداول إصدار واضحة، ويحدّ من الفجوات في المجالات الإحصائية الأساسية، كما توفر مؤشرات الأداء الإحصائي الدولية ومقاييس انفتاح البيانات أدوات كمية لتشخيص نقاط التعطل في البنية الإحصائية، سواء في الخدمات أو المنتجات أو البنى التحتية.
حوكمة البيانات
يختم العكاري بتأكيد أن المنصة المركزية ليست مشروعاً تقنياً فقط، بل هي مشروع حوكمة بيانات متكامل، يبدأ بتحديث الإطار القانوني، وتحديد مسؤوليات منتجي البيانات، وحماية سرية البيانات الفردية، مع إتاحة البيانات المجمعة وبيانات العيّنات للبحث العلمي وفق بروتوكولات واضحة، عندها فقط يصبح الحديث عن خطط تنمية قابلاً للقياس، لأن كل هدف يرتبط بمؤشر محدد، وخط أساس، وسلسلة زمنية، ومصدر يمكن تدقيقه.