الحرية- إلهام عثمان:
على الرغم من أن الجغرافيا السورية تمتد بتنوعها لتمنح كل منطقة خصوصية اقتصادية واجتماعية لا تشبه الأخرى، إلا أن غياب مفهوم التنمية المحلية جعل هذه الثروة متعددة الأوجه تبدو وكأنها عبء لا يُستثمر، ما أدّى إلى فجوات عميقة في الخدمات ومستويات المعيشة بين محافظة وأخرى، وبين العاصمة والريف البعيد.
الغائب الأكبر
في هذا السياق، يطرح الدكتور عامر خربوطلي، مدير عام غرفة تجارة دمشق والخبير الاقتصادي، رؤيته في حديث لـ”الحرية”، معتبراً أن التنمية المحلية كانت الغائب الأكبر في مراحل سابقة، رغم كونها السبب الرئيسي لتحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية متوازنة لجميع مناطق الجغرافيا السورية.
لا تنمية وطنية دون خريطة استثمارية متوازنة تعيد الحقوق للمناطق
كما يوضح خربوطلي أن غياب هذا المفهوم أسهم في ترسيخ تفاوتات كبيرة لم تكن لتحدث لو تم التعامل مع كل وحدة محلية كحالة خاصة قادرة على استثمار مواردها الذاتية، فالتنمية المحلية، كما يعرّفها، هي عملية التغيير التي تتم في إطار سياسة عامة محلية تعبّر عن احتياجات الوحدة المحلية (ريفية – حضرية) عبر استغلال الموارد والمشاركة في استثمارها، وصولاً إلى رفع مستوى المعيشة وتعزيز قدرات المجتمع المحلي عن طريق تحسين العمليات التي تجري من خلالها الأمور الاقتصادية والاجتماعية.
التفاوت الخدمي والاستثماري.. حصيلة غياب الرؤية المحلية
من هامش إلى مركز إنتاجي
وليس سرّاً أن التجارب الدولية في هذا المجال أثبتت أن نجاح التنمية المحلية كان المقياس الحقيقي لارتفاع مؤشرات التنمية البشرية، ففي البلدان المتقدمة، كما يذكر الخبير، كان الاهتمام بالتنمية المحلية أساساً لردم فجوة الخدمات بين المناطق والمدن، وعدم الشعور بأي فارق تنموي بين المدن والأرياف البعيدة، وهذا ما تسعى إليه سوريا اليوم في مرحلتها الجديدة: وهو تحويل الريف من هامش مهمّش إلى مركز إنتاجي واستثماري يعيد التوازن إلى الاقتصاد الوطني.
أهداف تنموية تنطلق من احتياجات الإنسان
وبحسب خربوطلي، فإن أهداف هذه التنمية ليست شعارات نظرية، بل ترتكز على تحسين ظروف المعيشة بشكل ملموس، عبر خلق فرص العمل والإنتاج والاستثمار، مع التركيز على الفئات الأكثر حاجة مثل المرأة والشباب والفقراء، فالهدف الأسمى هو المساهمة في تلبية احتياجات المجتمع المحلي من بيئة تحتية وخدمات الصحة والتعليم والإسكان، إلى جانب تحسين مستوى الأداء بما يتناسب مع المعايير المحلية والعالمية.
مبادئ أساسية
ويؤكد خربوطلي أن نجاح هذا النهج يرتبط بتبني مبادئ أساسية، أبرزها الالتزام بالقانون، ومنح الثقة للعاملين في الإدارة المحلية، وتبادل المعلومات بسلاسة، وتخفيف التعقيدات التي كثيراً ما تعطّل المشاريع التنموية، ومن هنا، فإن التنمية المحلية ليست قالباً جامداً، بل هي مزيج من التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية والإدارية، وجميعها، كما يوضح خربوطلي، على القدر نفسه من الأهمية إذا استطاعت تحقيق فارق تنموي في المنطقة الجغرافية المستهدفة.
سوريا الجديدة.. التوازن التنموي أولاً
يمضي خربوطلي في تقديم رؤيته لما يجب أن تكون عليه الأولويات في سوريا الجديدة المتجددة، مؤكداً أن المطلوب هو تحقيق أعلى درجات التوازن التنموي على مستويات ثلاثة: أولها التوازن بين المدن والأرياف، وثانيها بين المحافظات والمناطق والبلدات، بحيث لا يبقى هناك فارق واضح في الخدمات الأساسية والاستثمارات ومستويات التشغيل، أما المستوى الثالث والأهم، فهو استنهاض الميزات النسبية الموجودة لدى كل منطقة محلية سورية من ناحية الزراعة / الصناعة / الحرف / التجارة / الخدمات، وتحديد متطلباتها التنموية عبر خريطة استثمارية تنموية متوازنة.
وهنا يكمن جوهر التحوّل المطلوب وفق رؤيا خربوطلي: أن الانتقال من منطق المركزية الذي يغذّي التفاوت، إلى منطق اللامركزية الذي يستثمر الاختلاف، مشيراً إلى أن كل منطقة في سوريا تمتلك ميزة نسبية يمكن أن تكون قاطرة للنمو فيها، إن هي حظيت بالرعاية والتخطيط الملائمين.
غرف التجارة والصناعة.. شركاء في بناء قدرات المجتمعات المحلية
دور الإدارات المحلية والغرف في دعم الاقتصاد الوطني
ويشدّد خربوطلي في ختام حديثه على الدور المحوري الذي يجب أن تضطلع به الإدارات المحلية المتمثلة بمجالس المدن والبلدات، لكن ليس بمعزل عن القطاع الخاص المنظّم، فـيقع على عاتق الإدارات المحلية (مجالس المدن والبلدات) بالتشارك مع غرف التجارة والصناعة والزراعة والسياحة والحرف مهمة دعم الأعمال الجديدة الناشئة وتعزيز القدرات الذاتية في كل منطقة محلية.
وهذه الشراكة، برأيه، هي التي تسهم في تقوية الدور التنموي الاقتصادي والاجتماعي للإدارة المحلية، بما يعود بالفائدة على السكان أولاً وعلى الاقتصاد الوطني ثانياً عبر زيادة مخرجات النمو الاقتصادي وتحسين مستويات الدخل والمعيشة والخدمات، ويلخص خربوطلي هنا معادلة النجاح: بأنها تنمية محلية ناجحة تعني مواطناً أكثر رفاهية، واقتصاداً وطنياً أكثر صلابة.
ليست مجرد خيار
وختم خربوطلي: إن إعادة الاعتبار للتنمية المحلية في سورية اليوم ليست مجرد خيار من بين خيارات، بل هي استثمار في النسيج الاجتماعي والاقتصادي الذي تعرض للاهتزاز.
وفي رؤية الدكتور عامر خربوطلي، يكمن المفتاح لتحقيق النهضة الشاملة في قدرة الإدارة المحلية، بالتعاون مع القطاع الخاص، على قراءة خريطة الميزات النسبية بدقة، وتحويل الوعود التنموية إلى واقع معيش، تنعم فيه كل قرية ومدينة بحقها في النمو والعيش الكريم.