الحرية – ميمونة العلي:
تشكل أعياد الربيع في مدينة حمص لوحة تراثية فريدة، تمتد لنحو خمسين يوماً، تضم سبعة مواسم تعرف محلياً بـ «الأخمسة». ويأتي «خميس النبات» خامسها، حيث كان أبناء المدينة قديماً يخرجون من أبوابها العتيقة، ويتجمّعون حول القلعة، وينصبون الخيام، ويقدّمون الطعام الشعبي في أجواء تمتلئ بالأهازيج التي تعبّر عن تجدّد الحياة. وهذا العام، أعيد إحياء «خميس النبات» بالتعاون مع وزارتي الثقافة والسياحة ومحافظة حمص والجمعية التاريخية في المدينة وفريق «أربعاء حمص» الثقافي.
التقت «الحرية» المديرة التنفيذية لفريق «أربعاء حمص» الثقافي، لمى فهد، التي أسهم فريقها في تنظيم مسير «خميس النبات»، وشرحت فهد أن حمص تتميز بخمساناتها السبعة: «خميس التايه، الشعنونة، المجنونة، القطاط، النبات، الحلاوة، والمشايخ». وأشارت إلى أن الأكثر شهرة بينها هو «خميس الحلاوة» الذي يحتفل به سنوياً، لكن الفريق الثقافي اتفق على تنظيم مسير للاحتفال بـ «خميس النبات» باعتباره إحياءً لتراث حمص اللامادي، خصوصاً أنه لم يحتفل به منذ نحو مئة عام.
وأوضحت فهد أن طقوس الاحتفال قديماً كانت تقام في فصل الربيع، بالتزامن مع بدء تفتح النبات واخضرار الأرض تعبيراً عن التجدد، وكانت الفتيات يغسلن وجوههن بماء الورد، ويمشين إلى القلعة، ويحضرن الطعام النباتي، ويلقين بحصى صغيرة في بئر القلعة، حيث كان سماع صوت ارتطام الحصى بقاع البئر يرمز إلى تحقق الأمنيات.

وأضافت إن المسير انطلق من أحياء حمص القديمة التي تضررت خلال الثورة، مشيرة إلى وجود جيل كامل لم يعرف هذه الأحياء من قبل، ولم يسبق له الصعود إلى القلعة، فضلاً عن جهله بالخمسانات. وتابعت: «واصل المسير طريقه إلى الجمعية التاريخية، حيث استمع المشاركون إلى محاضرة تاريخية عن الخمسانات، مروراً بشارع الخندق، وباب المسدود، وقبر أبي فراس الحمداني، وباب التركمان، ثم صعدوا إلى القلعة». وهناك، أضافت فهد، تمت رؤية البئر التاريخية، وإعداد التبولة، ورشّ ماء الورد على الزوار إحياء للتفاصيل التراثية القديمة، كما تمت زراعة الغراس. ونوهت إلى أن التحضيرات جارية حالياً للاحتفال بـ «خميس الحلاوة» في شهر نيسان.
واختتمت لمى فهد حديثها بالقول: «إن إحياء الاحتفال بالخمسانات هو واحد من أبهى تقاليد الذاكرة الحمصية، ومحاولة لإعادة وصل ما انقطع بين الماضي والحاضر، حيث يتداخل الجمال الطبيعي مع الحضور الإنساني، ويعبّر عن روح الجماعة وانسجامها مع إيقاع الطبيعة».