الحرية- هويدا محمد مصطفى:
شاعر يكتب قصيدته بلا حدود.. يترك نصه يتقد ببلاغة المعنى والصور التي يجسد من خلالها الواقع بخيال الشعرية. فتناول قضايا كثيرة، منها الوطني والإنساني والاجتماعي، وتميز نصه بالتوصيف العميق والإبحار في عوالم المرأة، ليقترب أسلوبه من الشاعر نزار قباني.
ومن هنا نجد بصمته الخاصة من خلال نصه الشعري المفتوح على فضاءات الضوء. صدر له ست مجموعات شعرية: “حقائب الياسمين”، “عنب”، “مُشاكِسة”، “وليمة لنوارس البحر”، “بنصف اشتعال”، “بنت الريح”. وهنا مجموعتان قيد الطباعة، بالإضافة إلى العديد من المشاركات والمنشورات الأدبية.. 
صحيفتنا “الحرية” التقت الشاعر حسام غانم، وكان هذا الحوار:
*_هل على الشاعر أن يكون متقناً لجميع أنواع الأدب؟ وكيف تقدم نفسك للقارئ؟
**_ لا أرى أن الشاعر عليه إتقان كل أنواع الأدب، بل أن يكون واعياً بها. المعرفة هنا ليست تكديساً ثقافياً، بل انفتاح يمنع القصيدة من الانغلاق. الشاعر الذي لا يقرأ السرد والفلسفة والنقد أو يكتب بنصف وعي. أقدّم نفسي للقارئ كإنسان يكتب ليحافظ على توازنه وسط فوضى العالم؛ لا كمن يملك الحقيقة، بل كمن يفتش عنها بالكلمات.
*_ قصيدتك النثرية.. إلى أي مدى تحلّق؟ ومتى تأسرك القصيدة؟
**_ قصيدتي النثرية لا تحلّق بعيداً عن الأرض، لكنها ترتفع بما يكفي لترى التفاصيل أوضح. أنا أؤمن أن الشعر الحقيقي يولد من اليومي والعادي، ثم يمنحه بعداً إنسانياً أعمق. تأسرني القصيدة حين تفاجئني؛ حين أشعر أنها كتبتني قبل أن أكتبها، وحين تضع يدها على جرح قديم دون خوف.
*_ “بنصف اشتعال” مجموعة شعرية، من أين استوحيت العنوان وماذا تضمنت؟
**_ جاء العنوان من تلك المنطقة المعلّقة بين الاحتراق الكامل والانطفاء التام.
نحن نعيش غالباً في هذا المنتصف القلق. “بنصف اشتعال” هو توصيف لحالة إنسانية معاصرة: حب ناقص، حلم مؤجل، وشغف لا يريد أن يموت.
تضمّنت المجموعة نصوصاً عن الحب والغربة والفقد والحنين، والذات وهي تحاول النجاة دون أن تخسر إنسانيتها.
*_هل على الشاعر أن يكون واقعياً؟ وما تأثير ذلك على نصك الشعري؟
**_ الواقعية في الشعر ليست نقل الحدث كما هو، بل كشف أثره في الروح. الشاعر لا يوثّق الواقع، بل يعيد تأويله. حين أكون واقعياً، أسمح للنص أن يكون صادقاً، وحين أكون شاعرياً، أسمح له أن يكون محتملاً وجميلاً. نصي يتحرك دائماً في المسافة بين ما يحدث وما نشعر به.
*_المرأة قصيدة لا تنتهي في عالمك، هل تناولت قضاياها بكل حالاتها؟
**_ المرأة في عالمي الشعري ليست موضوعاً أكتب عنه، بل نبض أكتب منه. هي القصيدة التي تبدأ ولا تنتهي، لأنها تشبه الحياة في تقلّبها ودهشتها. لم أتعامل معها كقضية فقط، بل كحب، كأم، كحبيبة، كوجع جميل، وكقوة تعرف متى تنكسر لتنهض أجمل. حاولت أن أكتبها بصدق العاشق لا ببرود المراقب؛ أن أراها في ضعفها الذي لا يقلل منها، وفي قوتها التي لا تحتاج إلى إعلان. كتبت المرأة كما شعرت بها وطناً صغيراً حين تضيق الأوطان، وملجأً حين يتعب القلب.
*_ كيف ترى واقع الحراك الثقافي وخصوصاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي؟
**_نعيش زمن وفرة النصوص وندرة التأمل. مواقع التواصل منحت الجميع حق التعبير، لكنها ألغت أحياناً المسافة الضرورية بين النص والمتلقي. الحراك الثقافي موجود، لكنه يحتاج إلى وعي نقدي يفرّق بين النص العابر والنص الذي يستحق البقاء.
*_ بمن تأثرت من الشعراء؟ وهل تجد نصك قريباً من أسلوبه؟
**_ تأثرت بكثيرين تركوا أثراً لا ظلاً. من نزار قباني تعلّمت أن اللغة جسد حي، ومن محمود درويش أن القصيدة موقف وجودي، ومن نيتشه شجاعة السؤال، ومن باولو كويلو الإيمان بالرحلة الداخلية، ومن واسيني الأعرج وأحلام مستغانمي جمال المزج بين السرد والشعر. نصي يلتقي معهم في الروح لا في التقليد.
*_ ما رأيك بالنقد؟ وهل هناك نقد حقيقي يخدم النص الشعري؟
**_ النقد الحقيقي فعل معرفة لا سلطة. هو قراءة ثانية للنص، لا محاكمة له. ما نفتقده اليوم هو النقد العميق الذي يشتغل على النص نفسه، لا على اسم كاتبه، ويمنح الكاتب فرصة رؤية عمله من زاوية أخرى.
*_ ما القصيدة التي تجوب عالمك ولم تُكتب بعد؟
**_ هي القصيدة الأكثر صدقاً؛ تلك التي لا تتزيّن باللغة ولا تختبئ خلف المجاز. قصيدة تشبهني كما أنا، بلا أقنعة. ربما لن تُكتب أبداً، لأن بعض القصائد خُلقت لتبقى وعداً مفتوحاً، لا نصاً مغلقاً.