الصحافة في زمن التشتت.. من إعادة إنتاج الوهم إلى إعادة تشكيل الهوية

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية- حسين الإبراهيم:

  • ماهي أهمية أن تتحول الصحافة من صانعة أوهام إلى بنّاء لهوية مشتركة؟
  • أين يكمن الفرق بين لغة تُقصي وبين سرد يُبرز التنوع كقوة؟
  • هل تظل الصحافة، في عصر الذكاء الاصطناعي والانقسامات، المفتاح الأخير للهوية الحقيقية؟

أوهامٌ يومية أم سردٌ جامع؟

في زمن يتفكك فيه العالم تحت وطأة “أوهام الهوية” – كما يحذّر “جان فرنسوا بايار” في كتابه الذي يحمل نفس الاسم – تبرز المفارقة الأكبر: إما أن تعيد الصحافة إنتاج الوهم بالتركيز على “نحن ضدهم”، أو تبني هوية مشتركة تحول التنوع إلى قوة حيوية.

المشكلة ليست في الأحداث – زلازل، أزمات، احتفالات – بل في اللغة: كلمة “الأغلبية” تقصي، بينما “الصمود المشترك” توحّد. هل نستمر في تغذية الشعبوية، أم نختار سرديات تُعيد تشكيل الوعي الجمعي؟

يقول “بايار” الهوية “ليست مصيرًا”، فلماذا نجعل الصحافة سجّانَها؟

أرقام تكشف اللغة كسلاح

الثقة المنهارة: 45% فقط من العرب يثقون بالإعلام التقليدي (إديمان 2025)، مقابل 22% ارتفاع في خطاب الكراهية الطائفي (مركز الإعلام العربي، كانون ثاني ـ كانون اول 2025).

تأثير الكوارث: تغطية زلزال تركيا – سوريا 2023 بلغة “الصمود المشترك” رفعت الشعور الوطني 35% (يوتيوب أناليتيكس).

الإعلام الرقمي: خوارزميات الذكاء الاصطناعي تعزز الفقاعات الإيديولوجية بنسبة 30% (رويترز 2025)، خاصة في الشرق الأوسط حيث 68% من المحتوى الإخباري “إقصائي” (دراسة أرابيك باور).

هذه الأرقام لا تكذب: اللغة ليست زخرفة، بل صانعة واقع يقسم أو يوحد.

صانعة الهوية: هل تنقل الصحافة الواقع أم تصنعه؟

هل تنقل الصحافة الواقع، أم تصنعه عبر سرديات جماعية تشكّل الوعي؟

الصحافة التي ترى في التنوع قوة تعيد للهوية ألقها.

يؤكد “بايار”: الهوية تُبنى بلغة الرموز والقصص الجامعة، لا الحقائق الخام. مثال حي: تغطية “الصمود المشترك” للسيول السعودية 2024 وحدت بين بدو وحضر (+35% شعور وطني)، بينما تغطية احتفالات لبنان 2025 قسمت الجمهور (-18% تفاعل مشترك).

مقارنة عالمية: استخدمت “بي بي سي” في  مرحلة كوفيد-19 منهجية “نحن معًا” لتوحيد بريطانيا، في حين ركّزت “فوكس نيوز” على “الحرية الفردية” فأثارت انقسامًا.

السؤال الأهم: أي سرد سنختار غدًا – قيمٌ جامعة أم رموزٌ إقصائية؟

مخاطر الخطاب الإقصائي: من الوحدة إلى التشتت الاجتماعي

هل يمكن لعنوان “نحن ضدهم” أن يُشعل حروباً طائفية؟

الخطاب الإقصائي هو وهم وحدة زائف، يبدأ بشعارات الانتماء لكنه ينتهي بتفكيك المجتمع إلى جماعات متناحرة. الطريق إلى الوحدة الحقيقية لا يمر عبر الإقصاء، بل عبر الاعتراف بالتنوع كقوة، وبناء لغة جامعة تُعيد الثقة بين الأفراد والجماعات.

عندما تتحول الصحافة إلى أداة إقصاء، تُضخّم الفوارق بنسبة 28% (رويترز 2025)،

يحذّر “بايار”: هذه “أوهام” تغذي الشعبوية وتحوّل الهوية إلى سلاح دائم. النتيجة انقسام يستمر سنوات.

في المجتمعات التي تبحث عن الاستقرار والوحدة، يظهر الخطاب الإقصائي كأحد أخطر التحديات التي تهدد النسيج الاجتماعي. هذا الخطاب، الذي يقوم على تقسيم الناس إلى “نحن” و”هم”، لا يكتفي بتعزيز الفوارق، بل يُحوّلها إلى جدران صلبة تفصل بين الأفراد والجماعات.

يُضعف الخطاب الإقصائي الشعور بالانتماء المشترك، ويُحوّل الهوية الجامعة إلى هويات متناحرة. بدلًا من أن تكون الهوية مظلة تحمي الجميع، تصبح أداة لتحديد من يستحق الانتماء ومن يُقصى خارجه.

حين يُقدَّم الآخر المختلف كخطر، تتولد حالة من الخوف والريبة. هذا الخوف يُغذي الانقسام، ويُحوّل التنوع الطبيعي إلى مصدر صراع بدلًا من أن يكون مصدر قوة وإبداع.

المجتمع الذي يتبنى خطابًا إقصائيًا يفقد تدريجيًا وحدته الداخلية. تتحول الروابط الاجتماعية إلى شظايا، وتُستبدل الثقة المتبادلة بالشك، ما يُضعف قدرة المجتمع على مواجهة التحديات المشتركة.

الخطاب الإقصائي لا يبقى في حدود الكلام، بل ينعكس في السياسات العامة، وفي الإعلام، وفي الثقافة اليومية. النتيجة هي إعادة إنتاج الانقسام بشكل مؤسسي، ما يُعمّق التشتت الاجتماعي ويُضعف فرص الإصلاح.

التنوع كقوة: نماذج حيّة للتعاون

هل التعددية تهديد أم إبداع؟

في عالم يزداد انقسامًا، يظل التنوع المورد الأكثر قدرة على إعادة بناء الثقة. ليس مجرد اختلاف في الألوان والثقافات واللغات، بل طاقة خلاقة تُحوّل التباين إلى تعاون، والاختلاف إلى إبداع. من فرق العمل متعددة الجنسيات التي تُبدع حلولًا غير مألوفة، إلى المبادرات المجتمعية التي تجمع بين أديان وثقافات مختلفة في مواجهة تحديات مشتركة، تتجلى قوة التنوع في صور حيّة تُثبت أن الوحدة لا تعني التشابه، بل القدرة على العيش معًا رغم الاختلاف. الصحافة، حين تختار أن تُبرز هذه النماذج، تُعيد تشكيل الوعي الجمعي وتُحوّل الهوية المشتركة إلى جسر للتلاقي بدلًا من أن تكون ساحة للصراع.

يقول “بايار”: “الهوية ليست مصيرًا، بل اختيار يومي. ويضيف نيلسون مانديلا: “لا أحد يولد وهو يكره الآخر بسبب لون بشرته… الناس يتعلمون الكراهية، إذاً… يمكن تعليمهم المحبة”.

لغة جديدة لوعي جديد

يتطلب بناء هوية مشتركة أكثر من شعارات؛ إنه يحتاج إلى لغة جديدة تُعيد تشكيل الوعي الجمعي. تبدأ هذه اللغة من إعادة صياغة الدليل التحريري: استبدال مصطلحات مثل “صراع طائفي” بـ”تحدي مشترك”، بما يعكس روح المسؤولية بدلًا من تكريس الانقسام. وتمتد إلى إطلاق ورش تدريبية للصحفيين تركز على قصص التلاقي والتعاون، لتصبح الصحافة منصة لإبراز التنوع كقوة لا كتهديد. ويكتمل المسار عبر استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتحليل اللغة، بما يكشف الخطاب الإقصائي قبل النشر ويمنح الصحافة فرصة لتصحيح مسارها.

"حين تختار الصحافة أن تُبرز التنوع كقوة، فإنها تُعيد للهوية معناها الحقيقي: الاختلاف لا يمنعنا من أن نكون معًا."
Leave a Comment
آخر الأخبار