الحرية – آلاء هشام عقدة:
يُعد الادخار مفهومًا محوريًا في الفكر الاقتصادي، إذ عرّفه الاقتصادي البريطاني جون مينارد كينز بأنه “ذلك الجزء من الدخل الذي لا يُنفق على الاستهلاك الجاري”، بينما رأى آدم سميث فيه “أساس تراكم رأس المال والنمو الاقتصادي”، أما الاقتصادي الأمريكي إيرفينغ فيشر فنظر إلى الادخار كآلية لتحقيق التوازن بين الاستهلاك الحالي والمستقبلي.
ويشير الخبير الاقتصادي عبد الله أوبان لـ”الحرية” إلى أن الادخار على مستوى الفرد يشكل شبكة أمان مالي تواجه حالات الطوارئ وتحقق الأهداف طويلة الأجل كالتعليم والسكن، أما على مستوى البلد، فهو المصدر الرئيسي للاستثمار الداخلي، إذ يتحول الادخار إلى قروض تموّل المشاريع وتخلق فرص العمل، ما يقلل الاعتماد على التمويل الخارجي والاستثمار الأجنبي.
أشكال الادخار المتاحة في سوريا
ويشير أوبان إلى أن الادخار عمومًا ينقسم إلى نوعين: الادخار النقدي (كالودائع المصرفية والعملات الأجنبية) والادخار العيني (مثل الذهب والعقارات والمقتنيات)، وفي سوريا، تتركز أشكال الادخار الأكثر تداولًا في ثلاثة بدائل رئيسية: الذهب، والعقار، والدولار الأمريكي، ويعود ذلك إلى عوامل تاريخية ونفسية ترتبط بفقدان الثقة بالعملة المحلية التي خضعت لضغوط تضخمية هائلة خلال فترة حكم الأسد الفار، وبغياب البديل الآمن كالودائع المصرفية المدعومة بضمانات حكومية فعّالة.
العوامل المحددة للمفاضلة بين بدائل الادخار في سوريا حالياً
ويضيف أوبان: تتحدد المفاضلة بين الذهب والعقار والدولار وفق عوامل متغيرة، تختلف باختلاف الظروف الزمنية على المستوى العالمي، مثلاً قد يتراجع الادخار بالدولار لصالح الذهب إذا توقعت الأسواق تراجع العملة الأمريكية مقابل العملات الرئيسية وكان المعدن الأصفر بذات الوقت يسجل ارتفاعات متتالية، مثال آخر، قد يُفضّل الادخار النقدي عبر الودائع ذات الفوائد المرتفعة التي تتجاوز معدلات التضخم على الادخار العيني الذي يبقى “عاطلاً” ولا ينتج عوائد دورية.
مثال ٱخر يوضح تغير التفضيل بين البدائل الادخارية بتغير الظروف، حيث تشير المقولة الشهيرة لوينستون تشرشل: “عندما تجري الدماء، عليك بالحجر” إلى تحول التفضيلات نحو العقار في أوقات الحروب والأزمات، باعتباره ملاذاً آمناً نسبياً يحافظ على قيمته حتى عند انهيار العملات أو تذبذب أسعار الذهب.
وفي الحالة السورية حالياً، تتحدد المفاضلة بين البدائل الثلاثة بعوامل خاصة متعددة منها:
أولاً: الاستقرار النسبي لليرة السورية في الفترة الأخيرة بعد التحرير مقارنةً بسنوات التضخم الجامح خلال فترة النظام البائد، ما يقلل من العجلة نحو الدولار.
ثانياً: الطلب المرتفع على العقار في مناطق الاستقرار (دمشق، الساحل، بعض مدن الداخل) نتيجة عمليات إعادة الإعمار الفردية والنزوح الداخلي، ما رفع الأسعار بشكل ملحوظ وجعل العقار خياراً مضاربياً وليس ادخارياً بحتاً.
ثالثاً: الذهب كمخزن للقيمة عالمياً يظل جاذباً للسوريين، لكنه يواجه معوقات تتمثل بفارق أسعار الشراء والبيع في السوق المحلية، وغياب أدوات ادخارية ذهبية صغيرة ومنظمة كما هي الحال في الأسواق العالمية.
رابعاً: أما الدولار فتتراجع جاذبيته النسبية في ظل الاستقرار النسبي لسعر الصرف، والتقييد من عمليات المضاربة عليه وذلك عبر تنظيم عملية الترخيص، وتوجهات مصرف سورية المركزي المتعلقة بسعر الصرف الرسمي التي باتت اكثر ليبرالية.
كيف نجعل شكل الادخار المختار ملاذاً آمناً؟
ونوه أوبان أنه لضمان سلامة المدخرات في ظل التذبذب الحالي، يلزم مستويان من الإجراءات، أولاً: على مستوى المدخر الفردي، يجب أن يمتلك الفرد القدرة على قراءة إشارات السوق وفهم العلاقات بين المتغيرات الكلية.. سعر الفائدة، سعر الصرف، معدل التضخم، والتطورات المحلية والإقليمية والدولية، فالمدخر الذي يتابع سياسات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي واتجاهات أسعار النفط والذهب العالمية سيكون أكثر قدرة على توزيع مدخراته بين البدائل، وإذا استعصى التحليل، فلا غضاضة في استشارة أهل الخبرة المالية.
ثانياً: على مستوى السلطات النقدية، إذا أرادت هذه السلطات تشجيع الادخار المحلي وخصوصاً النقدي (وهو المفيد للاقتصاد لكونه يغذي الودائع ويرفع القدرة الإقراضية للمصارف)، فعليها اتخاذ إجراءات جادة لتعزيز ثقة المودعين، كنشر قوانين واضحة تضمن استرداد الودائع (لتجنب تكرار ما حدث في لبنان)، رفع أسعار الفوائد الحقيقية على الودائع وذلك من خلال محاربة التضخم او من خلال تطبيق سياسة استهداف تضخم مرغوب، نشر بيانات شفافة عن أسعار المعادن الثمينة وأسعار الصرف، وملاحقة شركات الادخار غير المرخصة.
حين تشعر الأسر أن مدخراتها ليست رهينة متغيرات السوق او الوضع السياسي، فإنها ستعيد توجيه جزء من اقتنائها للذهب والعقار نحو الودائع المصرفية، ما سيصب في مصلحة الفرد والدولة معاً.