«الفونغراف» ابن الأسطورة الذي أصبح أثراً

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – د. رحيم هادي الشمخي:
نحن في عصر أصبحنا نشاهد فيه بالحس ما كان الذين قبلنا يتمثلونه بالوهم، وتجسّمت لنا فيه الأشباح الخيالية التي لم يسبق لها وجود إلا في الأساطير والخرافات، فأصبحنا نلمسها بالبنان ونراها رؤية العيان ونسمعها سمع الآذان، بل أصبحنا في هذا العهد نشاهد الغائبين على مسافة مئات من الأميال ونسمع لفظ الذين طوتهم الأرض منذ آماد طوال، بل نرى الجماد من المعدن أو الشمع وهو يتكلم ويغني ويضحك، ويبكي إلى ما شاكل ذلك من الأفعال.
لقد جاء في الأمثال أن الحاجة أم الاختراع، فلا شك أن الإنسان لم يزاول صنع شيء من الآلات والمرافق إلا بعد أن تمثلت له الحاجة إليها ثم عملاً لمخيله في تصويره، فربما مثلته له في شكل من المستحيلات ثم لا يزال ذلك الأمر وحده يعاوده الحين بعد الحين حتى يبلغ أمنيته ولو بعد أزمان، ولقد كان وجود آلة أو ذريعة من مزاياها حفظ الكلام ونقله من موضع إلى آخر ما تخيل للإنسان قبل اختراع (الفونغراف) بزمان طويل ووجدت صورته في العقول قبل أن تصوره الصناعة ويتمثل وجوده للحس، إلا أنه مازال معتبراً من الأوهام الباطلة والأماني الفارغة لبعده عن البداهة إلى أن تم اختراعه في العهد الأخير وانتشر استعماله بين خاصة الناس وعامتهم فأصبح شيئاً مألوفاً.
وأول ما يؤكد من تخيل شبه (الفونغراف) ما نقل عن (الفازيت ستريك) التي كانت تطبع وتصدر في فرنسا، فقد جاء في أحد أعدادها سنة 1932م ما تعريبه (قد عاد الربان فستولوخ)، من سياحته في النواحي الجنوبية وقد حدثنا بما شاهده في تلك الآفاق البعيدة من الغرائب وفي جملته أنه نزل في بلد، وجد فيه ضرباً من الإسفنج يمسك الأصوات والألفاظ كما يمسك الإسفنج الماء، وأن أهل تلك الناحية إذا أرادوا أن يبلغوا أمراً إلى جهة من الجهات أو يستفهموا من أحد عمدوا إلى بعض من هذه الإسفنج فلقنوه الكلام الذي يريدون أن يقولوه وأرسلوه إلى المكان المراد إنهاء الكلام إليه، فإذا بلغ إلى المرسل إليهم تناولوه وضغطوا عليه برفق فيخرج إليهم كل ما أودعه من الكلام، وبهذا يعلمون كل ما أراد مرسلوه أن يقولوه لهم.
وكان للعالِم الفضل الكبير في تسجيل اختراعه الفونغراف وفيما حققه بعضهم أنه لم يزد في هذا الاختراع على أن تفتح شيئاً قليلاً في فونغراف (سكوت)، فاستخرج منه الفونغراف وأول فونغراف منحه أديسون هو اليوم في دار الآثار في (سوت كسجين) – مركز أثري في اليونان- وكان غير صالح للاستعمال لكثرة ما فيه على النقص فإن الصوت فيه كان يخرج غير واضح الطبقة ولا النغمة وبعض المقاطع كالراء تأتي شديدة يضحك منها السامع وبخلافها وأحرف المد فإنها كانت لا تكاد تسمع ذلك فكان يقتضي آذناً دقيقة التمييز حتى تتثقف الكلمات التي تخرج بين ذلك الهدير، وكانت صفيحة القصدير التي ترسم عليها الأصوات سريعة التغيير لا تمكّن من تكرار سماع الكلمات إلا مرات قليلة.
ومع ذلك فلا يزال الجهد متواصلاً لتحسين حالة (الفونغراف) في الوطن العربي عام 1878م بحجمه السابق، إلا أنه تطور، وكانت أول دولة عربية استخدمته مصر ثم العراق وسوريا، واستُخدم في حفلات الرواد الكبار من نجوم الطرب العربي والملوك والرؤساء العرب.
علينا أن نحافظ على هذا الأثر (الفونغراف) لأنه حصيلة اختراع خدم الإنسانية منذ عصر بعيد.

*أكاديمي وكاتب عراقي

Leave a Comment
آخر الأخبار