القطارات تعيد وصل ما انقطع.. السكك الحديدية خيار سوري لتجاوز الاختناقات اللوجستية

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – رشا عيسى:
تعودُ السكك الحديدية إلى الواجهة في سوريا، لا كخيار تقني فحسب، بل كضرورة اقتصادية تفرضها اختناقات النقل وارتفاع كلف الشحن، من حقول الغاز في الجزيرة إلى مرافئ الساحل والمناطق الصناعية في الداخل، يُعاد طرح القطار كعمود فقري لسلاسل الإمداد، في محاولة لردم فجوة بين إنتاج متباعد واستهلاك متزايد، واستعادة دور غاب لأكثر من عقد تحت ضغط الحرب وتآكل البنية التحتية.

تحديات النقل

تتركّز الحقول الرئيسية للغاز في مناطق الجزيرة، ما يفرض تحديات لوجستية نتيجة التباعد بين مواقع الإنتاج ومراكز الاستهلاك، ويشير الباحث في الاقتصاد السياسي طلال أسعيد في حديث لـ”الحرية” إلى أن هذا الواقع يجعل من تطوير شبكات النقل أولوية ملحّة، خصوصاً مع الاعتماد المتزايد على الغاز المنزلي.
ويبلغ الإنتاج المحلي من الغاز المنزلي نحو 1100 طن يومياً، يتم تأمينه من معمل إيبلا ومنشآت جنوب المنطقة الوسطى، في حين تُقدّر الحاجة اليومية بنحو 1700 طن، ما يفرض تغطية العجز عبر الاستيراد البحري لمادة الغاز المنزلي (LPG) وفق عقود مع شركات خاصة.

المرافئ الجافة

مع بدء تأهيل المرافئ الجافة في المناطق الصناعية، ولاسيما في حسياء وحلب، تبرز إمكانية ربط هذه المناطق بمصادر الطاقة بشكل أكثر كفاءة، ويوضح اسعيد أن المرفأ الجاف في حسياء، الممتد على مساحة 903 آلاف متر مربع، وبطاقة استيعابية تصل إلى 10 ملايين طن سنوياً، يشكّل نقطة محورية في هذا الربط.
وقد بلغت نسبة إنجاز المرحلة الأولى نحو 70%، متضمّنة أعمال فرش البحص ومدّ الخطوط الحديدية وصولاً إلى أرصفة التحميل والتفريغ، ما يسهم في تعزيز سلاسل الإمداد وتسريع حركة تداول الحاويات بين الموانئ والمناطق الصناعية.

استثمار طويل الأمد

وباشرت الفرق الفنية في فرع طرطوس للخطوط الحديدية أعمال إعادة تأهيل خطوط نقل الغاز وصهاريجه، في خطوة تهدف إلى رفع جاهزية نقل المواد الحيوية، ويرى أسعيد أن هذه الخطوات من شأنها تخفيف الضغط عن وسائل النقل الأخرى التي تواجه صعوبات لوجستية.
إلا أن البنية التحتية للسكك الحديدية ما تزال بحاجة إلى إعادة تأهيل واسعة، إذ إن 1052 كيلومتراً فقط من أصل 2800 كيلومتر ما تزال في الخدمة، وتشير التقديرات إلى أن إعادة التأهيل تتطلب بين 3 إلى 5 سنوات وكلفة تقارب 5.5 مليارات دولار.

توسّع محتمل

لا تقتصر أهمية السكك الحديدية على نقل الغاز، بل يمكن توسيع استخدامها لتشمل نقل النفط والحبوب والبضائع المختلفة، ويؤكد اسعيد أن وصول أول شحنة قمح بالقطار من مرفأ اللاذقية إلى حلب مطلع كانون الثاني 2026، بعد انقطاع دام أكثر من 14 عاماً، يشكّل مؤشراً عملياً على هذا التحول.
هذا التطور يعزّز انتظام تدفق السلع الأساسية بين المحافظات، ويقلّل من مخاطر الانقطاع، كما يساهم في خفض تكاليف النقل، خصوصاً أن القطار قادر على نقل ما يعادل حمولة نحو 30 شاحنة دفعة واحدة.

تكاليف أقل

يتميّز النقل السككي بانخفاض تكلفته مقارنة بالنقل البري لمسافات طويلة، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع النهائية أو على حجم الدعم الحكومي، ويشير أسعيد إلى أن هذه الميزة تجعل من السكك الحديدية خياراً اقتصادياً بامتياز في ظل التحديات الراهنة.
كما يوفّر النقل السككي مستوى أعلى من الأمان، ويقلّل من الحوادث المرورية الناتجة عن كثافة الشاحنات، إلى جانب دوره في تخفيف الضغط على الطرق والحد من تآكلها.

ربط إقليمي محتمل

تتيح الجغرافيا السورية إمكانية تحويل البلاد إلى نقطة ربط بين خطوط السكك الحديدية الممتدة من أوروبا إلى دول الخليج، ما يمنحها دوراً محورياً في حركة نقل البضائع إقليمياً، ويرى أسعيد أن هذا الدور يبقى مرهوناً باستكمال إعادة التأهيل وتطوير البنية التحتية.

خيار مستدام للتنمية

إلى جانب جدواه الاقتصادية، يُعد النقل بالسكك الحديدية خياراً صديقاً للبيئة، إذ يساهم في خفض انبعاثات الكربون مقارنة بوسائل النقل الأخرى، ما يجعله أداة داعمة للتنمية المستدامة، ويشير الباحث الاقتصادي “أسعيد” إلى أن عودة السكك الحديدية إلى العمل تعكس تحوّلاً تدريجياً نحو بناء منظومة نقل أكثر كفاءة، قادرة على دعم الإنتاج المحلي وتقليل الكلف، مع إمكانات واعدة لتوسيع دورها داخلياً وإقليمياً.

Leave a Comment
آخر الأخبار