الحرية- ميليا اسبر:
يشكّل القطاع الزراعي ركيزة أساسية للاقتصاد ورافعة اجتماعية مهمة، ولاسيما في المجتمعات التي تعتمد على الريف كمصدر رئيسي للغذاء والعمل، إلا أن التحولات الديموغرافية والهجرة الداخلية والخارجية خلال السنوات الماضية أفرزت واقعاً جديداً ألقى بظلاله على الإنتاج الزراعي، وطرح تساؤلات حول مستقبل هذا القطاع ودوره في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
الخبير في الشأن الزراعي عبد الرحمن قرنفلة أكد في تصريح لـ”الحرية” أن الزراعة كانت حتى وقت قريب تستوعب أعداداً كبيرة من الداخلين سنوياً إلى سوق العمل، وتؤدي دور مظلة حماية اجتماعية في مواجهة الأزمات الاقتصادية نظراً لانخفاض كلفة العمل فيها مقارنةً بقطاعات إنتاجية أخرى، وعدم حاجتها إلى تمويلات كبيرة، مشيراً إلى أن كثيراً من العمليات الزراعية لا تزال تعتمد على اليد العاملة الماهرة والمدربة، إذ توجد أنشطة عالية المردود لا يمكن تنفيذها بالآلات.
مغادرة الفلاحين أراضيهم
وأشار إلى أن الفترة بين عامي 2011 و2015 شهدت تركز معظم المعارك في الأرياف، ما اضطر أعداداً كبيرة من الأسر والعاملين في الزراعة إلى مغادرة أراضيهم والتخلي عنها، الأمر الذي أسهم في تراجع نسبة المشتغلين في هذا القطاع، لافتاً إلى أن الهجرة ظاهرة تاريخية رافقت تطور المجتمعات، وكانت دائماً جزءاً من عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية حيث يتحرك الناس داخل البلدان وفيما بينها بحثاً عن فرص معيشية أفضل، وغالباً ما ترتبط موجات الهجرة الكبرى بالكوارث الطبيعية والظروف المناخية والقيود على الموارد.
الهجرة الريفية
وبيّن قرنفلة أن الهجرة الريفية تشمل الانتقال من المناطق الريفية أو إليها أو بينها بغض النظر عن مكان المنشأ أو المقصد أو مدة الانتقال، وهي مكوّن أساسي من مكونات الهجرة الداخلية والخارجية، منوهاً أن هذه الظاهرة متعددة الأبعاد نظراً لتداخل عواملها، وقد تكون دائمة أو مؤقتة، وغالباً ما تأخذ طابعاً موسمياً بين الريف والمدينة بحثاً عن العمل، مضيفاً إن الزراعة تمثل دعامة رئيسية لتعزيز القدرة على الصمود، وينبغي أن تكون أولوية في معالجة الاحتياجات العاجلة وطويلة الأجل للمهجرين قسراً كونها العمود الفقري لسبل العيش في المناطق الريفية، فإنتاج الغذاء وإعادة بناء القطاع الزراعي شرط أساسي لتحقيق الاستقرار والتعافي الاقتصادي.
التحدي أمام صانعي السياسات الزراعية
الخبير الزراعي أوضح أن التحدي أمام صانعي السياسات يتمثل في تعظيم فوائد الهجرة الريفية وتقليل آثارها السلبية عبر إيجاد فرص معيشية مستدامة وجاذبة في الريف، إضافة إلى معالجة أوجه القصور في البنية التحتية والمؤسسات والسياسات، وكذلك تنمية رأس المال البشري من خلال التدريب وتطوير المهارات بما يمكّن الأفراد من الاستفادة من الفرص المتاحة ويحدّ من دوافع الهجرة القسرية، مشدداً على ضرورة جعل الهجرة خياراً لا حاجة، عبر خلق فرص عمل خارج المزارع مستندة إلى الترابط بين الزراعة وبقية مكونات النظام الغذائي، وتشجيع التنمية في المناطق الريفية ومحيطها وتحسين التخطيط الإقليمي والبنى التحتية الرابطة بما يخفف الضغط على المدن الكبرى.
وفي ما يتعلق بتأثير الهجرة على القطاع الزراعي، أوضح قرنفلة أن خروج العمالة من الريف يؤدي إلى نقص في أحد أهم عناصر الإنتاج الزراعي وهو اليد العاملة، ما ينعكس تأخيراً في تنفيذ العمليات الزراعية بدءاً من تحضير الأرض وزراعتها وصولاً إلى الحصاد والتسويق والنقل، وهو ما يقود في النهاية إلى تراجع الإنتاج والاعتماد المتزايد على استيراد السلع الزراعية.