“القوزلة” رأس السنة الشرقية حين تشتعل الذاكرة وتولد السنة من نار

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – باسمة اسماعيل:
في ليلة الثالث عشر من كانون الثاني، يستعيد الساحل السوري واحدة من أقدم محطاته التراثية والاجتماعية، حيث تتقد النيران، وتتعانق الذكريات، ويستقبل عام جديد وفق الحساب الشرقي، إنها القوزلة، مناسبة تتجاوز كونها طقساً احتفالياً، لتغدو مرآة لعلاقة الإنسان بالمكان والزمن، وذاكرة جماعية ما زالت حية في تفاصيل الحياة اليومية.

القوزلة في بعدها الفلكي والتاريخي

في حديثه لصحيفة “الحرية” يشرح الدكتور رياض قره فلاح، أستاذ علم المناخ – قسم الجغرافيا في جامعة اللاذقية، الأساس العلمي والفلكي لهذه المناسبة، قائلاً: يصادف هذه الليلة منتصف ليلة 13 كانون الثاني حسب التقويم الشرقي معلماً اجتماعياً وفلكياً مهماً يسمى بالقوزلة، وهي رأس السنة الشرقية، والقوزلة تسمية آشورية من كلمة “قوزلو” وتعني قزل النار أو إشعال النار، حيث كانت توقد النار طلباً للدفء وللطبخ، وتوقد على رؤوس الجبال وأمام المنازل ابتهاجاً وإعلانا لهذه المناسبة.

وبيّن أن سبب الاحتفال بالقوزلة في يوم 14 كانون الثاني يعود إلى وجود فارق بين التقويمين الشرقي والغربي، سببه الإصلاح الذي قام به البابا غريغورس الثالث عشر الروماني على التقوليم اليولياني في عهد يوليوس قيصر، حيث يعد التقويم اليولياني السنة 365,25 يوماً، أما التقويم الغريغوري فهو أدق ويعد السنة 365,2425 يوماً، وهذا الفرق يشكل مقدار 0.002%. ، وحسابياً تشكل في الفترة الواقعة من عام 1900 وحتى عام 2099 فارقاً بين التقويمين الغريغوري واليوناني بلغ 13 يوماً، يتأخر بها التقويم اليولياني عن التقويم الغريغوري، أي عندما يكون 7 كانون الثاني طبقاً للتقويم الغريغوري (وهو التقويم الميلادي الساري حالياً)، يكون بالنسبة إلى التقويم اليولياني 25 كانون الأول.

وأوضح د. رياض أن القوزلة لا تعد عيداً دينياً ولا رسمياً، ولكنه تراث وإرث سوري قديم وأصيل وتقليد جميل، مازالت بعض مناطق وأحياء اللاذقية تحافظ عليه من العهد الآشوري، حيث يجتمع فيه الناس ويقدمون الضيافات الشعبية والأكلات التراثية.

ولفت إلى أن الاحتفال بعيد رأس السنة الشرقية هو اجتماعي فلكي بحت، ويبدأ في الصباح الباكر مع بداية العام الميلادي الجديد على التقويم الشرقي، ولابد من التذكير أن الكثير من الحسابات الزراعية والفترات المعروفة ببرودتها وأمطارها كانت تقوم على التقويم الشرقي، وكانت في معظمها دقيقة وتم تفسيرها علميا وتأكيد صحتها.
وختاماً كل قوزلة والجميع بألف خير.

ذاكرة مكان

ومن جانبه يرى الباحث في التراث الشعبي اللامادي نبيل عجمية، إن القوزلة طقس اجتماعي وذاكرة مكان، حيث تمثل عيد رأس السنة الشرقية أو الشمسية، الذي يوافق ليلة 13 – 14 كانون الثاني، ويحتفل به أبناء الساحل السوري حتى لواء اسكندرون، وهو يتقاطع زمنياً مع رأس السنة الميلادية لدى الطوائف المسيحية، التي تعتمد التقويم الشرقي.

وأشار الباحث إلى أن تسمية القوزلة، ذات الجذور الآشورية – السريانية، ارتبطت بإشعال النار، حيث كانت النيران توقد أمام المنازل وعلى الأسطح طلباً للدفء، وإعلاناً عن بداية عام جديد، وتعبيراً عن الفرح الجماعي.

مائدة القوزلة حين يصبح الطعام طقساً

وأكد الباحث نبيل أن الطعام في القوزلة ليس تفصيلاً عابراً، بل جزء من الطقس نفسه، فمن المشاوي والكبيبات بالسلق، إلى عجين اليبرق، والزلابية، والدبس والكعك بالزيت، كانت الموائد تعكس سخاء الأرض ودفء العلاقات الاجتماعية، وكانت ترافق هذه الأجواء أعراس شعبية ودبكات وأغانٍ تراثية، فيما تعلن القوزلة يوماً للتسامح، وطي الخلافات، وتجديد عهود المحبة، وصلة الأرحام، ومساعدة الفقراء، وتبادل التهاني بعبارة: “عيدكم مبارك”.

الشعر والغناء صوت القوزلة الشعبي

في الذاكرة الشعبية، حضرت القوزلة في الزجل والأغنية، كما يورد الباحث نبيل:

بليلة عيد القوزلي/ة
يافرحة علينا طلي
طل علينا عام جديد
نارو تقزل وتعلي…

وتستمر الأشعار التي تمجد الفرح، والنار، والاجتماع، وتفاصيل الحياة الريفية، وصولاً إلى الموال والعتابا والدلعونا، التي كانت تُغنّى حول الجمر حتى ساعات متأخرة من الليل.

القوزلة: نار لا تنطفئ في الذاكرة

وختم الباحث نبيل كلامه، القوزلة ليست مجرد مناسبة زمنية، بل حالة وجدانية تعكس هوية المكان وأصالة المجتمع، هي لحظة يتصالح فيها الناس مع بعضهم، ومع الأرض، ومع ذاكرتهم الجماعية، حيث تتحول النار إلى رمز للاستمرار، وتغدو السنة الجديدة وعداً بالأمل والخصب.

Leave a Comment
آخر الأخبار