نمذجة السؤال… المفتاح الحقيقي لحوار الذكاء الاصطناعي

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية- حسين الإبراهيم:

  • أين يكمن الفرق بين هندسة الأوامر وهندسة التفكير؟
  • كيف يعكس الذكاء الاصطناعي غموض تفكيرنا بدلاً من توضيحه؟
  • لماذا تفشل الصياغات الجميلة في إنتاج إجابات عميقة؟

شاع مصطلح “هندسة الأوامر” (Prompt Engineering) في السنوات الأخيرة ككلمةً سحرية تفتح أبواب النماذج الذكية، وسارع الكثيرون إلى تعلم فنون صياغة الأوامر الأنيقة، ظنًا منهم أن ذلك وحده كفيل بالحصول على إجابات عميقة ودقيقة. لكن يبقى السؤال الأهم: هل تكفي براعة الصياغة وحدها لإدارة حوار حقيقي مع الذكاء الاصطناعي؟

الحقيقة التي تكشفها التجربة اليومية، سواء للمطورين أو الصحفيين أو الباحثين، هي أن الأوامر المُحكمة شكليًا قد تخفي وراءها اضطراباً في التفكير. ولعل ما قاله الفيلسوف مايكل بوالني يفسر هذه المعضلة: “نستطيع أن نعرف أكثر مما نستطيع أن نقول”. وهو ما يؤكده كونفوشيوس، عندما يقول: “المعرفة الحقيقية تكمن في الوعي بما لا نستطيع قوله”

فكثير من معرفتنا “ضمني” كامن في الذهن، يصعب نقله مباشرة إلى لغة الأوامر. وعندما نقدم أمرًا مرتبكًا، حتى لو كان مغلفًا بعبارات براقة، فإن النموذج الذكي يعكس هذا الارتباك، منتجًا نصوصًا عامة أو سطحية أو غير دقيقة.

التركيز على تحسين الصياغة فقط يشبه طلاء جدار متصدع: 

يبدو جميلاً للعين، لكنه هش من الداخل.

من هندسة الأوامر إلى هندسة التفكير

هنا يبرز مفهوم أكثر جوهرية: “هندسة التفكير” أو ما يمكن تسميته بـ “نمذجة السؤال”. الفرق بين المفهومين هو الفرق بين التركيز على الشكل والاهتمام بالمضمون. فبدلاً من الانشغال بكيفية قول الأمر، يجب أن ننشغل أولاً بكيفية تفكيك فكرتنا الغامضة أو المعقدة إلى مكونات واضحة.

الحل العملي لا يكمن في البحث عن الكلمات السحرية، بل في تعلم تحويل أفكارنا الضمنية إلى عمليات صريحة ومنظمة يفهمها النموذج ويتعامل معها. هذه العملية تشبه تحويل خريطة ذهنية مشوشة إلى خطة عمل ذات خطوات متسلسلة.

كيف ننمذج السؤال؟ إطار عملي للصحفي والمفكر

يمكن تلخيص عملية “نمذجة السؤال” في إطار عملي متسلسل:

تحديد الهدف الأساسي: ماذا أريد بالضبط؟ هل هو فهم ظاهرة، مقارنة بين تجربتين، اقتراح حلول، أم تحليل نتائج؟ يجب أن يكون الهدف محددًا وقابلاً للقياس.

تفكيك الفكرة إلى عناصر: قسم موضوعك الكبير إلى أسئلة فرعية. على سبيل المثال، بدلاً من “اكتب عن أزمة الإعلام الرقمي”، يمكن التفكيك إلى: التحديات التقنية، التحديات المالية، تأثير المنصات العالمية، نماذج النجاح المحلية.

تحديد السياق والمعايير: ما الإطار المكاني والزماني؟ (مثال: الإعلام الرقمي في سوريا ما بعد 2011). وما المعايير التي يجب أن تراعيها الإجابة؟ (كالموضوعية، أو تقديم أمثلة عملية، أو المقارنة بتجارب عربية).

صياغة الأسئلة كنموذج منظم: تقديم الأسئلة بشكل متسلسل ومنطقي. كأن نبدأ بالسؤال التأسيسي (مثلاً: ما أهم التحديات؟)، ثم انتقل إلى التحليل (كيف تؤثر هذه التحديات؟)، ثم إلى الحلول (ما البدائل المطروحة؟).

الاختبار والتعديل: نطلب من النموذج الإجابة على الأسئلة المنظمة. إذا كانت الإجابة عامة، نضيف قيودًا أو نعيد صياغة سؤال فرعي ليصبح أكثر دقة. هذه العملية التكرارية جزء من صقل التفكير نفسه.

مثال من الواقع: من العام إلى المنظم

لنأخذ مثالاً صحفياً:

أمر تقليدي (مرتبك): “اكتب لي مقالًا قويًا عن الإعلام الرقمي.”

أمر مبني على نمذجة السؤال (منظم): حدد أبرز ثلاثة تحديات تقنية يواجهها الصحفيون العاملون في المنصات الرقمية السورية اليوم. قارن بين تجربة مؤسسة إعلامية سورية رقمية ناجحة وأخرى تقليدية فشلت في التحول الرقمي، من حيث آليات التمويل والتوزيع. بناءً على التحليل السابق، اقترح ثلاث خطوات عملية قابلة للتطبيق لدعم استقلالية الإعلام الرقمي الناشئ.

في الحالة الأولى، ستحصل على مقال عام قد يكون جيد الصياغة ولكن يفتقر إلى التخصيص والعمق. في الحالة الثانية، تحصل على تحليل هيكلي، مقارنة ملموسة، واقتراحات عملية مباشرة تنبع من واقع محدد. الفارق ليس في ذكاء الأداة، بل في وضوح خطة السؤال التي قدمها المحاور.

الأداة وحدها لا تصنع ذكاء، الذكاء في الحوار

الأدوات الذكية ليست عصاً سحرية تخلق المعرفة من العدم، بل هي مرايا عاكسة. تعكس وضوحنا أو تشتتنا. هي تضخم القدرات، لكنها لا تحل محل النواة المركزية: التفكير المنظم للإنسان.

لذلك، فإن المهارة الأهم في عصر الذكاء الاصطناعي ليست مجرد تعلم أوامر جديدة، بل هي “هندسة الحوار” مع هذه الأدوات. أن تتحول من مستهلك يطلب أجوبة جاهزة، إلى محاور ذكي يوجه الأسئلة البناءة. هذه المهارة هي التي تميز الصحفي أو الباحث الذي يستخرج رؤى قوية وقابلة للتطبيق، عن ذلك الذي يكتفي بإنتاج نصوص جيدة المظهر ولكنها فارغة المضمون.

عملية “نمذجة السؤال” ليست فقط مفتاحًا لتوظيف أفضل للذكاء الاصطناعي، بل هي أيضًا تدريب قيم على الوضوح الفكري والدقة المنهجية في كل ما ننتج من معرفة.
Leave a Comment
آخر الأخبار