الحرية- رنا الحمدان:
أثبتت المنطقة الصناعية في مدينة طرطوس أنها واحدة من أهم الروافد الاقتصادية في المحافظة، بل في سوريا عموماً، رغم تراكم الإهمال وثقل القرارات الجائرة عبر سنوات طويلة.
تمتد هذه المنطقة على مساحة تقارب 98 هكتاراً، وتضم 1126 مقسماً تحتضن ما يقارب 1350 منشأة صناعية وحرفية صغيرة ومتوسطة، يعيش من مردودها آلاف الصناعيين والحرفيين وعائلاتهم، لتغدو بمنزلة مدينة صناعية مصغرة هي الأكبر مساحة مقارنة ببقية المناطق الصناعية في المحافظة.
المشرف على المناطق الصناعية في طرطوس وعضو مجلس اتحاد الحرفيين، منذر رمضان، أوضح لـ”الحرية” أن واقع المنطقة الصناعية “جيد بالعموم”، لكنه لم يكن بمنأى عمّا أصاب باقي المنشآت خلال سنوات النظام البائد، حيث حُكمت المنطقة بسلسلة من القرارات، بعضها منطقي، فيما كان الكثير منها مجحفاً ومكبلاً للصناعة والحرفة الوطنية.
بنية تحتية متهالكة
وأشار رمضان إلى أن أحد أبرز التحديات يتمثل في البنية التحتية المتهالكة، ولا سيما شبكات الصرف الصحي والمطري، لافتاً إلى أن المنطقة أُحدثت عام 1990، وبدأت العمل فعلياً عام 1995، ومنذ ذلك التاريخ لم تنفذ أعمال الصيانة المطلوبة بالشكل الصحيح، هذا الإهمال أدى إلى انسدادات وتراكمات تسببت مراراً بغرق المنطقة الصناعية خلال مواسم الأمطار الغزيرة، وخاصة أنها تقع في منطقة منخفضة تتجمع فيها السيول القادمة من الجبال المحيطة.
ومع غياب الإمكانات المالية خلال سنوات الحرب، كان الحل – بحسب رمضان – إدارة الواقع بإجراءات إسعافية، تمثلت بفتح أقنية مكشوفة وتحويل مسارات المياه إلى مصارف طبيعية، سطحية وتحت أرضية، وهو ما ساهم في الحد من الأضرار ومنع تكرار الغرق، وإن كان حلاً مؤقتاً لا يمكن الاعتماد عليه على المدى الطويل.
المجتمع المحلي شريك حقيقي
وأكد رمضان أن التنسيق مستمر مع بلدية طرطوس والجهات الخدمية الأخرى ضمن الإمكانات المتاحة، مشيداً بدور المجتمع المحلي الذي شكل شريكاً حقيقياً على الأرض، فبعد أول يومين من التحرير، عادت الورش والمنشآت للعمل لتلبية احتياجات المواطنين، في مشهد تكافل اجتماعي لافت، حيث “وضع الصناعيون والحرفيون أيديهم بيد بعضهم وبيد الجهات المعنية”، ما ساهم في الحفاظ على الاستقرار الأمني والخدمي داخل المنطقة، وعدم تسجيل أي إشكالات تذكر.
الضرائب عبء ثقيل
وتوقف رمضان عند ملف الضرائب، موضحاً أن الكثيرين يظنون أن الضريبة المالية هي الوحيدة المفروضة، في حين أن الواقع مختلف، فالضريبة المالية، رغم كونها حقاً للدولة، يجب أن تكون منصفة، وهو ما لم يتحقق في السابق، إذ استمرت الأنظمة المالية القديمة نفسها دون تعديل حتى اليوم.
ولفت إلى أن محافظة طرطوس كانت تطالب سنوياً بتحقيق أعلى نسب تحصيل ضريبي بقرارات مركزية، الأمر الذي أثقل كاهل الصناعيين والحرفيين، وانعكس لاحقاً على المواطن ، كما أشار إلى أن بعض المهن الخدمية كانت تفرض عليها ضرائب تصل إلى 45% من الأرباح، وهو رقم وصفه بـ”غير العادل”، خاصة مع ارتفاع تكاليف الكهرباء والاتصالات وبقية المستلزمات.
وفي السياق نفسه، انتقد رمضان فرض ضريبة سنوية على المظلات المقامة على الوجائب الأمامية للمقاسم الصناعية، رغم أنها أُنشئت أساساً للحماية من الشمس والأمطار وبموافقة سابقة، معتبراً أن تحويل رسم كان مقبولاً لمرة واحدة إلى ضريبة سنوية هو إجراء ظالم يجعل الملك الخاص وكأنه مستأجر من صاحبه لصالح البلدية.
أمل بإصلاح قريب
وكشف رمضان أنه تم إبلاغه بوجود قانون مالي جديد من المفترض تطبيقه مع بداية العام الجاري، مؤكداً أن الوعود تشير إلى نظام أكثر عدالة وإنصافاً، وختم بالقول: “نحن ندرك تماماً أنه لا توجد عصا سحرية لإصلاح أخطاء وتراكمات الماضي بلحظة واحدة، لكن هناك قرارات يجب أن تكون فورية إذا أردنا فعلاً دعم الصناعة والحرفة الوطنية وحماية قوت المواطن”.
بين واقع مثقل بالتحديات وطموح لا ينكسر، تبقى المنطقة الصناعية في طرطوس نموذجاً للصمود والعمل، بانتظار قرارات جريئة تعيد التوازن والعدالة إلى شريان اقتصادي لا يزال نابضاً رغم كل شيء.