إدارة المياه السطحية أولوية واستثمارها حاجة ملحة لتلافي أضرارها ودرء خطر الجفاف

مدة القراءة 7 دقيقة/دقائق

الحرية- نورما الشيباني:

تتمتع منطقة الساحل بشكل عام ومحافظة طرطوس بشكل خاص بمناخ متوسطي وتضاريس جبلية ما يجعلها من المناطق الأكثر وفرة بكمية الهطولات إلا أنها عانت في الأعوام السّابقة من انخفاض كمية التّهطال من جهة والحاجة إلى استثمار المياه السّطحية بشكل أمثل، وتخزينها في مواسم الشٌتاء درءاً لمخاطر الجفاف.

تحسن في الهطولات

وللوقوف على واقع المياه السّطحية وطرق استثمارها، والحد من هدرها التقت “الحرية” أستاذ الهيدرولوجيا في جامعة طرطوس الدكتور يوسف العلي والذي أكد أن المحافظة تخضع للمناخ المتوسطي الذي يكون معتدلاً رطباً في الشّتاء وحاراً جافاً في فصل الصّيف، وأن الهطولات تتفاوت من منطقة إلى أخرى في المحافظة لكنها بشكل عام تزداد مع الارتفاع عن سطح البحر من الغرب بالاتجاه شرقاً بفضل عامل التّضاريس، كما تتذبذب الهطولات السّنوية في المحافظة من عام إلى آخر فتأتي مرتفعة في بعض السٌنوات، ومنخفضة في بعضها لكن من الملاحظ تحسن الهطل المطري في الموسم الحالي بغالبية مناطق المحافظة مقارنة مع الموسم الماضي (في نفس التوقيت) ولاسيما في مناطق الأحواض المائية التي تمد سدود المحافظة بوارداتها المائية فقد شهدت المحافظة في الموسم الماضي تراجعاً في الواردات السّطحية لأن الهطولات السنوية لم تتجاوز 60% من المعدل السنوي المعتاد، وهذا ما تسبب في انخفاض ملحوظ في تخزين بعض السدود وأدى إلى تراجع غزارة الأنهار والينابيع.
لكن بالمقابل، في الموسم الحالي أدت الهطولات الغزيرة الأخيرة إلى تحسن واضح في الجريان السٌطحي، وارتفاع تخزين عدد من السّدود والسدّات، وعودة بعض الينابيع للتفجر، وهو ما يعكس حساسية النّظام المائي في المحافظة لتقلبات الهطولات المطرية.
وأشار العلي إلى أن الأمطار الغزيرة لها جوانب سلبية على الواقع الزّراعي حين تغيب البنية التّحتية الملائمة لتصريف الجريان السّطحي، وقد سُجلت حالات غمر للترب، والمحاصيل، وتضرر بعض الأراضي الزّراعية نتيجة السّيول لاسيما في سهل عكار، وهذا يبيّن أن إدارة المياه السّطحية تمثل أولوية في المحافظة ليس فقط لتخزينها والإفادة منها في الفصل الجاف وإنما لدرء أخطارها على الزّراعة، والبنية التّحتية لاسيما في أرياف المحافظة.

واقع المياه السطحية

وبين د. العلي أن المياه السّطحية في محافظة طرطوس تمثل مورداً مائياً مهماً يتجدد سنوياً مع الهطولات، ولها دور أساسي في تزويد مياه الشّرب، والرٌي ودعم مختلف أوجه النّشاط البشري في المحافظة.
وقد تعرّض هذا المورد خلال السّنوات الأخيرة لتقلبات واضحة بسبب تراجع الأمطار أحياناً، وغزارتها المفاجئة أحياناً أخرى، ما شكل حاجة ملحة إلى إدارة أكثر كفاءة لمياه الجريان السّطحي.

الموارد المائية السطحية

ويوجد ضمن محافظة طرطوس كما بين د.العلي /8/ أحواض نهرية تتبع أهم ثمانية أنهار موجودة في المحافظة، وهناك مجموعة من السّدود التي أنشئت عليها، ويتشكل بعض هذه الأحواض من أحواض فرعية أساسية.
كما يوجد عدد من الينابيع والسّدود والسدّات المائية التي تعتمد أساساً على مياه الأمطار، وهذه المنظومة تغطي جزءاً مهماً من احتياجات الرّي المحلي، وتغذية المياه الجوفية، وخاصة في مناطق القدموس والدريكيش ومشتى الحلو.

الأهمية الاقتصادية للمياه السطحية

وأكد د. العلي على أن للمياه السّطحية في طرطوس أهمية زراعية مباشرة في ري المحاصيل، والمزروعات المروية ودعم مربي الثّروة الحيوانية عبر توفير مياه السّقاية، خاصة في المناطق المرتفعة ذات العجز المائي النسبي.
كما تساهم مشاريع حصاد مياه الأمطار والخزانات الحقلية في تقليل مخاطر الجفاف على الإنتاج الزراعي وتحسين استقراره.
وتدعم الأنهار والينابيع النّظم البيئية السّاحلية والغابية، وتساعد على الحد من تملّح التربة والمياه الجوفية في بعض المواضع عبر دورها في إعادة التّغذية، وتخفيف الضّغوط على الآبار.
كما تُستخدم بعض المنشآت المائية أيضاً في إطفاء حرائق الغابات وتنمية الثّروة السّمكية المحلية، ما يضيف بعداً بيئياً واقتصادياً إضافياً.

سبل الاستثمار الصّحيح

ولتحقيق الاستثمار الأمثل للمياه السّطحية في المحافظة بين د. العلي أنه ينبغي اتباع مجموعة من الإجراءات أولها اعتماد نهج إدارة متكاملة للموارد المائية على مستوى الحوض (الأنهار– السدود–الينابيع– المياه الجوفية) بحيث يتم تخطيط الاستخدامات الزّراعية والبلدية والصّناعية وفق توازن واضح بين الواردات والطلبات المائية.
وتوسيع وتنظيم مشاريع حصاد مياه الأمطار (سدّات صغيرة، خزانات ترابية، خزانات حقلية) ولاسيما في أرياف القدموس والشّيخ بدر والدّريكيش والمناطق الجبلية الأخرى في المحافظة، مع اختيار المواقع بناءً على دراسات جيولوجية وطبوغرافية وهيدرولوجية دقيقة، فقد أثبتت هذه المنشآت فعاليتها في تخزين كميات جيدة من الجريان السّطحي وتوفير مياه للري التّكميلي، وسقاية المواشي، وزيادة كفاءة استخدام المياه في الرّي من خلال الانتقال التّدريجي إلى نظم الرّي الحديث (تنقيط، رش منخفض الضغط)، وتعديل برامج الرّي لتصبح وفق الرّطوبة الفعلية للتربة والظروف المناخية، ما يخفف من السّحب الزّائد من الخزانات والسّدود، كما يساعد تنويع الدّورات المحصولية واختيار أصناف أقل استهلاكاً للمياه في تخفيض الطّلب الكلي على الموارد السّطحية.
وأضاف د.العلي: ينبغي تحسين شبكات التّصريف داخل الأراضي الزّراعية ومناطق التّوسع العمراني لتقليل الغمر، وتأثير السّيول الجارفة للتربة، وتحويل جزء من هذه الجريانات إلى خزانات، وسدّات بدل ضياعها إلى البحر ويمكن دعم ذلك بإنشاء مصاطب زراعية، وأشرطة نباتية للحد من الجريان السّطحي السّريع، والانجراف.
كما يجب توجيه جزء من الواردات السّطحية الزّائدة في فترات الذّروة نحو تغذية جوفية اصطناعية حيث تسمح الشّروط الهيدروجيولوجية، عبر حقول وآبار تغذية للمياه الجوفية، لتعزيز استدامة المخزون الجوفي والتّقليل من الفاقد السّطحي غير المستغل. ويُستحسن ربط هذه الإجراءات بتقسيمات استعمالات الأراضي للحد من التّوسع العمراني على حساب أحواض التّغذية المهمة، إضافة إلى تأمين الدّعم، والتمويل اللازم للمشاريع المدروسة (خزانات جديدة في المناطق الجافة نسبياً مثل بعض قرى القدموس) وتسريع تنفيذها لما لها من أهمية في تحقيق استقرار مائي طويل الأمد، وتعزيز التّعاون مع المنظمات الدولية والمانحين لتنفيذ مشاريع بنية تحتية مائية مكمّلة، وكذلك تكثيف برامج التّوعية المائية للمزارعين، والسّكان المحليين حول أهمية حصاد مياه الأمطار، وأساليب الرّي الرشيدة. ومخاطر هدر المياه وسوء استخدامها، وإشراك المجتمع المحلي في اختيار مواقع السدّات والخزانات الحقلية لأن ذلك يساعد والكلام العلي على ضمان تشغيلها وصيانتها وتقليل معدلات الفشل أو الإهمال.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار