الحرية – باسمة إسماعيل:
يدخل فصل الشتاء مرحلته الثانية الأكثر تقلباً مع انتهاء أربعينية الشتاء، المعروفة بالخمسينية، هذه الفترة لم تقرأ يوماً باعتبارها مجرد أيام باردة، بل شكلت عبر الموروث الشعبي منظومة زمنية دقيقة، ارتبطت بالحكاية والمثل والعمل الزراعي، فيما عرف بـ”السعودات”. وقد حفظ هذا التقسيم الشعبي خبرة أجيال طويلة، وشرح لـ “الحرية” خلفياته المناخية والعلمية والشعبية الدكتور رياض قره فلاح، أستاذ علم المناخ في قسم الجغرافية – جامعة اللاذقية.
من المربعانية إلى الخمسينية
يقسم أهل بلاد الشام فصل الشتاء إلى مرحلتين واضحتين:
أربعينية الشتاء (المربعانية): وتمتد من 21 كانون الأول حتى نهاية كانون الثاني، وتعد الأشد برودة وهطلاً للأمطار.
خمسينية الشتاء: تبدأ مباشرة بعد المربعانية، وتمتد خمسين يوماً حتى 21 آذار، متزامنة مع الاعتدال الربيعي.
وفي الموروث الشعبي، تصوَّر المربعانية وكأنها تنذر بما بعدها بقولها: “إذا ما عجبكم حالي، ببعت لكم خوالي” أي إن برد الخمسينية قد يكون أشد تقلباً وأقسى أثراً.
قصة السعودات
بحسب ما يورده الدكتور رياض قره فلاح، تتكون خمسينية الشتاء من أربعة أقسام زمنية متساوية، يطلق على كل قسم اسم “سعد”، ويمتد كل واحد منها اثني عشر يوماً ونصف اليوم، وهي:(سعد الذابح – سعد بلع – سعد السعود- سعد الخبايا)، ولا تعود هذه التسميات إلى المناخ وحده، بل إلى حكاية شعبية متوارثة شكلت الإطار الرمزي لفهم هذه المراحل.
وأضاف: إن أصول التسمية يعود إلى قصة سعد، ابن أحد أمراء البادية. فقد خرج سعد مع جماعة من أبناء قبيلته في منتصف كانون الثاني بحثاً عن الكلأ. وقبل رحيله، أوصاه والده وصية حاسمة، قال له فيها:
“إذا هبّت رياح جنوبية، ثم أعقبتها رياح شمالية، واضطرب الجو، واشتد البرد والمطر، فاذبح ناقتك، واجعل من جلدها مأوى، ومن لحمها طعاماً لك ولمن معك”.
ومع دخول شهر شباط، هبت الرياح الجنوبية ثم انقلبت شمالية شديدة البرودة، واشتد المطر وتعذر على القوم متابعة المسير، عندها تذكر سعد وصية أبيه، فطلب من رفاقه ذبح نياقهم، إلا أنهم رفضوا وأصروا على الاستمرار لم يتراجع سعد، فنفذ الوصية وحده، ذبح ناقته، وأخرج لحمها قوتاً له، واتخذ من جلدها خيمة احتمى بها من المطر والبرد.
بقي سعد داخل جلد ناقته اثني عشر يوماً ونصف اليوم، لا يستطيع الخروج من شدة البرد، وبعد ظهر اليوم الثالث عشر، تحسن الطقس نسبياً، فخرج ليجد رفاقه ونياقهم قد قضوا من شدة البرد، وكان والده، خلال تلك الفترة، يردد قلقاً: “إن سعد ذبح ربح، وإن ما ذبح ما ربح” ومن هنا جاءت تسمية أول السعودات: سعد الذابح.
ذروة القسوة
يمثل سعد الذابح أقسى مراحل الخمسينية، حيث يبلغ البرد ذروته، وتكثر فيه حالات نفوق الماشية، وقد خلدته الأمثال الشعبية، منها: “سعد ذابح ما بخلي كلب نابح”
توالي السعودات ومعانيها
وتابع: يلي ذلك سعد بلع، وتعود تسميته، بحسب الرواية، إلى أن سعداً كان قد استنفد ما لديه من طعام، فأخذ يلتهم ما بقي لديه ليسد رمقه. وفي رواية أخرى، وهي الأوسع انتشاراً، يقصد بـ “بلع” ابتلاع الأرض لمياه الأمطار، إذ تتشرب التربة الماء سريعاً دون جريان ظاهر. ومن أمثاله: “السما تشتي والأرض بتبلع”
“في سعد بلع لا زرع ولا قلع”
وكان الفلاحون يعدون هذه المرحلة ذروة تغذية الأرض والمياه الجوفية.
بداية التحول
ثم يحل سعد السعود بداية التحول المناخي التدريجي، تبدأ البرودة بالانحسار، وبحسب الرواية في هذه المرحلة خرج سعد من خيمته لفترات أطول، وشعر بالسعادة لتحسن الجو، فسميت هذه الأيام بسعد السعود. وقيل فيها:
“بسعد السعود بيدفا كل مبرود”
“بسعد السعود بتطلع الميّة بالعود”
وأشار د. رياض إلى أن الفلاحين كانوا يعتمدون على هذه المرحلة كإشارة لبدء الأعمال الزراعية الدقيقة، وعلى رأسها تقليم الأشجار، وخاصة الكرمة، قبل أن تدب العصارة في الأغصان، معتبرين أن التأخير بعد سعد السعود يضر بالإنتاج.
الخروج من المخابئ
وأوضح أن الخمسينية تختتم بـسعد الخبايا، حيث استقر الطقس وعم الدفء، واطمأن سعد بأنه يستطيع الخروج نهائياً من مخبئه والعودة إلى قبيلته، فهذه المرحلة تخرج الكائنات المختبئة من سباتها الشتوي، فكان يقال:
“بسعد الخبايا بتطلع الحيايا وبتتفتل الصبايا”
وهو تعبير رمزي عن اكتمال الانتقال من الشتاء إلى الربيع.
السعودات كروزنامة للفلاحين
ولفت د. رياض إلى أن السعودات ليست مجرد تسميات أو حكايات، بل شكلت عبر قرون تقويماً زراعياً شعبياً سبق التقويمين الميلادي والهجري. ولا تزال حتى اليوم مرجعاً للفلاحين في تنظيم الزراعة والرعي، وقراءة سلوك الطقس وتقلباته.
معرفة متوارثة
تجسد السعودات في خمسينية الشتاء تلاقي المعرفة الشعبية مع التجربة المناخية الطويلة. فهي حكاية، ومثل، وتقويم، وذاكرة جماعية، استطاع الإنسان من خلالها أن يفهم الطبيعة، ويتكيف معها، ويحول قسوة الشتاء إلى معرفة متوارثة، ما زالت حية في الوجدان حتى اليوم.