الحرية– محمد زكريا :
مع الانقطاع شبه الكلي للإمدادات الدوائية الهندية للسوق الغربية وأمريكا نتيجة الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، تتحرك هذه الدول لإيجاد البديل، بالتأكيد هذا الانقطاع سبب حالة من الارباك في السوق الدوائي لتلك الدول، وبالتالي أصبح لزاماً عليها البحث عن البديل وهنا السؤال لماذا لا تكون سوريا هي “البديل الإقليمي”؟ لاسيما في ظل تطور الصناعات الدوائية لدينا، ومع تواجد أكثر من 80 معملاً دوائياً موزعة على كامل المناطق السورية، كما أن الدواء السوري وصل في مرحلة من المراحل إلى دخول أكثر من 50 دولة، حتى أنه وصل إلى دول أوروبية وأمريكا الجنوبية، وبالتالي يمكن لهذه الصناعة أن تدخل السوق الخارجية من أوسع الأبواب، ومنه فصناعة الدواء في سوريا ليست مجرد قطاع صحي، بل هي سلاح سيادي ومورد مالي ضخم يمكن الاستثمار فيه في ظل المتغيرات الحاصلة في المنطقة.
فرصة ذهبية
وحسب الباحث الاقتصادي محمد خالد حسون فإن الأزمات والصراعات الأخيرة في الشرق الأوسط كشفت عن حقيقة صادمة هزت عروش الصناعة في الغرب، حيث سجل إنتاج الدواء في أوروبا وأمريكا تراجعاً بنسبة تصل إلى 30%، فهذا الشلل لم يكن سببه نقص التكنولوجيا، بل انقطاع “شريان الحياة ” القادم من الهند، المصدرة للمواد الأولية الدوائية /APIs/، موضحاً إن هذا المتغير الدولي يمنح سوريا فرصة ذهبية وتاريخية لتحقيق اختراق استراتيجي في أمنها الصحي واقتصادها الوطني.

شريك استراتيجي منسي
وبين حسون لـ”الحرية” ضرورة التحرك والتواصل مع الهند من خلال إرسال وفود حكومية وتجارية رفيعة المستوى وبشكل متتالٍ إلى الهند، ليس فقط للاستيراد، بل لبناء شراكات معرفية تهدف إلى توطين تصنيع هذه المواد في سورية، والاستفادة من فائض الخبرة الهندية في بناء قاعدة صناعية دوائية مستقلة، لاسيما أن الهند تمتلك اليوم أكثر من 1,500 مصنع متخصص فقط في إنتاج المواد الصيدلانية الفعالة /APIs/، وتنتج ما يزيد على 60,000 صنف من المواد الأولية والتركيبات الدوائية التي تغذي أسواق 200 دولة.
إنعاش اقتصادي
وأضاف حسون إن قدرة سورية على تصنيع “الأدوية السهلة”، والتي تمثل 75% من احتياج العالم تعني ذلك الوصول إلى حصة سوقية عالمية تقدر قيمتها بنحو 1,200 مليار دولار (1.2 تريليون)، وبالتالي فإن الاستحواذ على جزء بسيط من هذه الكعكة كفيل بإنعاش الاقتصاد السوري لعقود.
منوهاً بإن المهمة اليوم تتطلب دوراً تكاملياً ما بين دور الدولة كـ”مخطط” وبين القطاع الخاص كـ “منفذ” ومنه يمكن تأسيس “الشركة الوطنية للمواد الأولية لصناعة الدواء”: ويمكن التعاون مع الخبرات الهندية لكسر احتكار الاستيراد، إضافة إلى تحفيز الاستثمار في “الأدوية الجنيسة”، مع تسهيل إجراءات ترخيص المصانع التي تستهدف التصدير للأسواق المجاورة والمتعطشة.
أرقام في السوق العالمية
يشار إلى أن حجم سوق الأدوية العالمي بلغ في العام الماضي نحو 1.6 إلى 1.8 تريليون دولار، وبحسب التحليلات التقنية للسوق فأن 75% من هذه الأدوية هي أدوية جنيسة – Generics): هي أدوية ذات معرفة منتشرة ومنتهية حقوق الملكية، ويسهل تصنيعها تقنياً، و25% فقط تنطوي على تقنيات حيوية معقدة ومبتكرة (Biotechnologies) لا تزال تحتكرها الشركات الكبرى.