الحرية – نهلة أبو تك:
في توقيت اقتصادي بالغ الحساسية، يبرز الأداء المالي لعام 2025 كمؤشر يحمل أبعاداً تتجاوز الأرقام، ليعكس بداية تحوّل في مسار المالية العامة، وفق ما يقدّمه خبير دراسات الجدوى الاقتصادية والاستراتيجيات المالية والتحول المالي الدكتور محمد زريق فرحات، الذي يؤكد لـ(الحرية) أن الانتقال من العجز إلى الفائض- وإن كان محدوداً- يمثل نقطة تحوّل تستحق التوقف عندها بعمق.
ويشير فرحات إلى أن البيانات الرسمية تُظهر تسجيل إيرادات فعلية بلغت 3,493 ملايين دولار مقابل نفقات فعلية بقيمة 3,447 ملايين دولار، ما أفضى إلى تحقيق فائض قدره 46 مليون دولار، بنسبة +1.3% من إجمالي النفقات، وهو ما يعكس تحسناً واضحاً مقارنة بعام 2024 الذي شهد عجزاً بلغ 781 مليون دولار، أي إن التحسن الكلي وصل إلى نحو 827 مليون دولار خلال عام واحد.
ويرى أن هذا التحسن، رغم أهميته، يجب قراءته ضمن سياقه الحقيقي، إذ لا يتجاوز الفائض 0.15% من الناتج المحلي الإجمالي المقدر بنحو 30.6 مليار دولار، ما يعني أن قيمته الفعلية تبقى محدودة، لكنه يحمل دلالة اتجاهية إيجابية تشير إلى بداية ضبط المالية العامة.
الفائض نتيجة نمو أم إعادة ضبط؟
ويطرح فرحات تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة هذا التحول هل تحقق نتيجة نمو مستدام في الإيرادات، أم نتيجة إجراءات ضبط للإنفاق، أم بفعل إيرادات استثنائية؟
ويشير إلى أن محدودية التفاصيل المتاحة حول بعض البنود، مثل المنح أو الإيرادات غير المتكررة، تجعل تقييم طبيعة هذا الفائض بحاجة إلى عرض بيانات أكثر تفصيلاً في المراحل القادمة، بما يعزز وضوح الصورة المالية بشكل أدق.
هيكل الإيرادات اعتماد مرتفع على مصادر تقليدية
وفي تحليله لبنية الإيرادات، يلفت فرحات إلى أن:
– 39% من الإيرادات تأتي من الرسوم الجمركية.
– 31% من الضرائب والرسوم غير الجمركية.
– مقابل مساهمة محدودة لقطاع النفط لا تتجاوز 2%.
ويؤكد أن هذا الهيكل يعكس اعتماداً كبيراً على النشاط التجاري والاستيراد، ما يجعل الإيرادات عرضة للتقلبات، ويبرز الحاجة إلى تنويع مصادر الدخل وتعزيز الإيرادات المستدامة، سواء عبر تطوير النظام الضريبي أو تفعيل عوائد الأصول العامة والقطاعات الإنتاجية.
الإنفاق العام موازنة تشغيلية بامتياز
وعلى صعيد الإنفاق، يوضح فرحات أن:
– 41% من الإنفاق مخصص للرواتب والأجور.
– 25% للتحويلات
– 22% للنفقات التشغيلية.
– مقابل 7% فقط للإنفاق الاستثماري.
– و5% لخدمة الدين.
ويشير إلى أن توجيه نحو 66% من الإنفاق إلى الرواتب والتحويلات يعكس طابعاً اجتماعياً وتشغيلياً للموازنة، أكثر من كونه تنموياً.
لماذا يرتفع الإنفاق الجاري؟
يضع فرحات هذا التوزيع ضمن سياقه الواقعي، موضحاً أن الدولة تمر بمرحلة إعادة بناء بعد سنوات طويلة من التحديات، ما يجعل التركيز على:
– استقرار الرواتب.
– دعم الشرائح الاجتماعية.
– استمرار عمل المؤسسات.
أولوية لا يمكن تجاوزها
ويرى أن ارتفاع الإنفاق الجاري في هذه المرحلة ليس بالضرورة مؤشراً سلبياً، بل قد يكون جزءاً من عملية تثبيت الاستقرار المؤسسي، لكنه يشدد في المقابل على أن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال التدريجي نحو موازنة تنموية.
الحلقة الأضعف في المعادلة
ويحذر فرحات من أن بقاء الإنفاق الاستثماري عند حدود 7% فقط قد يحدّ من قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو مستدام، مؤكداً أن المرحلة القادمة يجب أن تشهد رفع هذه النسبة، خاصة في مجالات: (البنية التحتية- التعليم- الصحة- مشاريع إعادة الإعمار).
الإفصاح المالي خطوة إيجابية تحتاج تطويراً
وفي جانب الإفصاح المالي، يلفت فرحات إلى أن الإعلان عن موجز الأداء المالي يمثل خطوة إيجابية نحو تعزيز الشفافية، مع أهمية العمل خلال المرحلة المقبلة على تطوير أدوات العرض، من خلال:
– تقديم قوائم مالية تفصيلية.
– إرفاق جداول تحليلية.
– توضيح الفروقات بين الموازنة المخططة والتنفيذ الفعلي.
كما يشير إلى أهمية توضيح منهجية احتساب الناتج المحلي الإجمالي المقدر بنحو 30.6 مليار دولار، لما لذلك من دور في دعم دقة التحليل الاقتصادي.
نحو معايير دولية في الإدارة المالية
ويؤكد فرحات أن المرحلة المقبلة تتطلب تبني المعايير الدولية للمحاسبة في القطاع العام، بما يعزز: الموثوقية- الشفافية- قابلية المقارنة- والمساءلة، بما يسهم في بناء ثقة المستثمرين وتحسين صورة الاقتصاد.
بداية مسار لا نهايته
ويختتم الدكتور فرحات تحليله بالتأكيد على أن ما تحقق في 2025 يمثل بداية إيجابية في مسار الإصلاح المالي، لكنه لا يزال في مرحلة التأسيس.
ويشدد على أن استدامة هذا التحول تتوقف على قدرة السياسات المالية في: تنويع الإيرادات، تعزيز الاستثمار، تحسين كفاءة الإنفاق، تطوير أدوات الإفصاح المالي.
مؤكداً أن الفائض الحالي، رغم محدوديته، قد يشكل نقطة انطلاق نحو توازن مالي حقيقي إذا ما تم البناء عليه برؤية استراتيجية واضحة.