الحرية ـ باسم المحمد:
عاد ملف القطاع العام إلى واجهة النقاش الاقتصادي مجدداً، بعد سنوات طويلة من الجدل بين الإصلاح والتشاركية والخصخصة، ليُفتح اليوم على مصراعيه عقب تصريحات وزير المالية حول إعداد قانون جديد يقضي بتحويل جميع الشركات الحكومية إلى شركات مساهمة عامة، تمتلك الدولة كامل أسهمها في المرحلة الأولى.
ورغم حساسية الطرح، إلا أنه ليس جديداً من حيث المبدأ، إذ سبق أن أقرّ قانون الشركات رقم /29/ لعام 2011 هذا التوجه، مع إتاحة المجال لاحقاً لطرح جزء من الأسهم وفق آليات تدريجية ومدروسة. غير أن الفارق الحقيقي اليوم يكمن في توقيت الطرح، وفي القدرة على الانتقال من النص القانوني إلى التطبيق الفعلي.
فنجاح هذا التحول يتطلب شروطاً واضحة لا يمكن تجاوزها، تبدأ بتقييم عادل وشفاف لموجودات الشركات والمؤسسات العامة، مروراً بإعداد قوائم مالية دقيقة، وتطبيق مبادئ الحوكمة الرشيدة، والإفصاح، والتدقيق، والمساءلة، وصولاً إلى رقابة حقيقية على الأداء والنتائج.
من حيث الجوهر، يمثل هذا التوجه فرصة جدية لمعالجة المشكلات البنيوية التي حوّلت القطاع العام، خلال العقود الماضية، إلى عبء مالي وتنموي، وبيئة خصبة للهدر والفساد. إلا أن التعامل مع هذا الملف يجب أن يكون واقعياً ومتدرجاً، ولا سيما في ظل المرحلة الانتقالية التي يمر بها الاقتصاد السوري.
وخلال هذه المرحلة، لا بد أن يؤدي القطاع العام دوراً مزدوجاً: الحفاظ على الأمنين الاقتصادي والاجتماعي، والعمل كعامل توازن وضابط للأسواق والأسعار، إلى أن تتضح قدرة القطاع الخاص على القيام بدوره التنموي المنتظر.
ورغم ما شاب بيئة عمل القطاع العام سابقاً من اختلالات، إلا أنه لا يمكن إنكار دوره في تأمين العديد من السلع الأساسية، ولا تجاهل أن بعض مؤسساته حققت أرباحاً وأسهمت في دعم الخزينة العامة. ومن هنا، يمكن اعتبار فترة تطبيق قوانين الشركات المساهمة ومعايير الحوكمة بمنزلة مرحلة اختبار، تُبنى خلالها قاعدة بيانات دقيقة، وتُقيّم النتائج بموضوعية، تمهيداً لاتخاذ قرارات مصيرية بشأن مستقبل هذا القطاع.
فالإدارة السليمة، في بيئة تنافسية، كفيلة برفع الإنتاجية وكشف الإمكانات الحقيقية للشركات العامة، وقد تبيّن أن الدولة تمتلك أصولاً استراتيجية لا يجوز التفريط بها، مقابل منشآت أخرى قد يكون من الأنسب إعادة هيكلتها أو تغيير نشاطها بما يخدم الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية.
الأهم أن هذا النهج يمنح الحكومة الوقت والمساحة لاتخاذ قرارات استراتيجية مبنية على معايير الربح والخسارة والجدوى، ويضع حداً للجدل المستمر حول الخصخصة أو البيع، عبر ترك الوقائع والنتائج على الأرض لتقول كلمتها الفصل.
بين الإصلاح والجدل
Leave a Comment
Leave a Comment