الحرية – وداد محفوض:
يُواجه العديد من الأفراد في عالم العمل المعاصر خيارين حاسمين، الوظيفة الثابتة أو العمل الحر، فبينما توفر الوظيفة الثابتة استقراراً مالياً وضمانات اجتماعية، يمنح العمل الحر الأفراد فرصة للابتكار والمرونة، ومع تزايد التحديات الاقتصادية العالمية، أصبح الاختيار بين هذين الخيارين أكثر تعقيداً وتحديداً لمستقبل الفرد.
“الحرية” أجرت استطلاعاً في مدينة طرطوس حول الوظيفة الثابتة بتوفير الأمان والاستقرار المالي، والعمل الحر في تحقيق الحرية والإبداع.
فأكدت الموظفة ميرفت سمعان، 50 عاماً أن الوظيفة الثابتة توفر لها دخلاً ثابتاً يضمن لها تلبية احتياجاتها الشهرية، بالإضافة إلى شعورها بالأمان والاستقرار، لا سيما بعد التقاعد، وأن الوظيفة أفضل لأنها تنظم الوقت والتعود على احترام المواعيد.
فيما رأى الشاب عدي حسن، 26 عاماً أن الوظيفة مقبرة للإبداع، حيث تحد من فرص التفكير المستقل والابتكار، وأن العمل الحر يمنح على عكس الوظيفة الثابتة، مرونة أكبر في تحديد ساعات العمل وتنظيم الجدول الزمني، مشيراً إلى أن العمل الحر لا يقيد الفرد بأوامر رئيسه، ما يفتح المجال للإبداع وتحقيق نتائج على المدى البعيد، ورغم أن البداية في هذا المسار قد تتطلب الكثير من الجهد والوقت والصبر، إلا أن العوائد المالية قد تكون ضخمة بعد الاستقرار، حيث يمكن للفرد كسب أضعاف مرتب الوظيفة التقليدية.
من جهته أشار المدرس أحمد سليمان 40 عاماً إلى إمكانية الجمع بين العمل الثابت والعمل الحر، حيث يمكن تخصيص ساعات من اليوم بعد العمل الرسمي للمشاريع الشخصية، وأن هذا النموذج الهجين يوفر له الاستفادة من دخل ثابت عبر الوظيفة الرسمية مع إمكانية زيادة دخله من العمل الحر، ما يحقق توازناً بين الأمان المالي والإبداع.
الخبير الاقتصادي د. محمد صلاح الدين أبو عيسى بين لـ”الحرية”، أنه في ظل تسارع التغيرات الاقتصادية فإن الاختيار بين العمل الوظيفي الثابت والعمل الحر لم يعد مجرد قرار مهني، بل أصبح خياراً وجودياً يؤثر على نمط الحياة ومستوى الاستقرار.
وأكد د. أبو عيسى أن الجيل الحالي من الشباب يقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي: هل نختار الأمان الوظيفي؟ أم نغامر من أجل الحرية والإبداع؟
وأضاف إن “الوظيفة الوظيفية تُعتبر استقراراً محسوباً، لأنها الخيار التقليدي الذي ارتبط دائماً بمفهوم الأمان، فهي توفر دخلاً ثابتاً، ضمانات اجتماعية، مساراً مهنياً واضحاً، وبيئة عمل منظمة، وأن هذه العوامل مجتمعة تمثل ما يمكن تسميته “بـالاستقرار المالي النسبي”، وهو استقرار هام خاصة في البيئات الاقتصادية غير المستقرة.
وأشار د. أبو عيسى إلى أن هذا الاستقرار ليس مطلقاً مع التحولات الاقتصادية العالمية، ولم تعد الوظيفة بمنأى عن المخاطر، فقد يواجه الموظف تسريحاً أو تجميداً للرواتب، أو حتى فقدان القيمة الحقيقية للدخل بسبب التضخم. وهنا يبرز سؤال مهم: “هل الأمان الوظيفي حقيقي أم مجرد شعور نفسي؟” في هذه الظروف، قد تكون الوظيفة، رغم تقديمها الأمان، عرضة للمخاطر التي قد تهدد الاستقرار المالي.
على الرغم من المخاطر التي قد يتعرض لها العامل الحر في بداياته، إلا أن العمل الحر يوفر بيئة مثالية للإبداع. يمكن للفرد أن يصبح “صانع قرار” بحد ذاته، حيث تكون الفرص مرتبطة بالابتكار والإبداع، ما يجعله في موضع قوة أمام التحديات الاقتصادية.
كما أوضح د. أبو عيسى أن العمل الحر ليس مجرد خيار مهني، بل هو فلسفة قائمة على المبادرة وتحمل المخاطر. مصححاً أنه في البداية قد تفتقر إلى الاستقرار المالي، لكنها توفر في المدى الطويل فرصاً كبيرة للنمو الشخصي والمهني.
و أن العمل الحر، بما يوفره من استقلالية وحرية، هو البيئة الأكثر خصوبة للإبداع. فالنجاح في العمل الحر يتطلب الابتكار المستمر، لأن النجاح يصبح مرتبطاً مباشرة بإبداع الفرد، ويجعل من الإبداع شرطاً للبقاء، لا مجرد ميزة إضافية. لذلك، يعتبر الكثير من الشباب اليوم أن العمل الحر هو الطريق الذي يتيح لهم الظهور والتميز على المدى الطويل.
ورأى أنه في عالم سريع التغيرات، أن الاستقرار الحقيقي لم يعد مرتبطاً بنوع العمل، بل بقدرة الفرد على التكيف والتعلم المستمر. في زمن تتغير فيه المهارات بسرعة، يصبح “الاستثمار في الذات” هو الضمانة الوحيدة للنجاح والاستقرار في المستقبل.
وختم إن العمل الوظيفي قد يمنحك بداية مستقرة، لكن العمل الحر قد يمنحك ذاتك، وابتكار الفرص عندما يغيب الأمان. فنجاح اليوم لا يُقاس بما تملكه من أمان، بل بقدرتك على إيجاد الفرص وتحقيق الأهداف في المستقبل.