الحرية – ميليا اسبر:
تواجه الطبقة الوسطى في سوريا واحدة من أخطر مراحلها التاريخية بعد أن كانت لعقود طويلة تشكل صمام الأمان للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، لكن اليوم ومع تزايد الضغوط المعيشية وتراكم الأزمات تتراجع هذه الطبقة بشكل غير مسبوق، ما يضع الاقتصاد السوري أمام تحديات عميقة تتجاوز الأرقام إلى بنية المجتمع ومستقبله.
الباحثة في الشأن الاقتصادي شمس محمد صالح أوضحت لـ”الحرية” أن الطبقة الوسطى تُعد إحدى الركائز الرئيسية في البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية السورية حيث شكّلت عبر عقود الماضي صمام أمان وضمانة للحاضر، وحجر الأساس في بناء المستقبل.
تآكل الطبقة الوسطى
وبيّنت أن الحرب في سوريا وما رافقها من انهيار في قيمة الليرة وارتفاع هائل في معدلات التضخم، إضافة إلى دمار واسع في البنية التحتية أدت إلى تآكل هذه الطبقة بشكل كبير حيث تراجعت نسبتها من نحو 60% قبل عام 2011 إلى أقل من 5% بحلول عام 2023.
وأشارت إلى أن هذا التراجع جاء نتيجة تضافر مجموعة من العوامل أبرزها انخفاض القوة الشرائية، وارتفاع معدلات التضخم والأسعار، وازدياد نسب البطالة، إلى جانب تراجع القطاع الإنتاجي وتحول الاقتصاد إلى نمط ريعي، فضلاً عن تآكل المدخرات، وهجرة الكفاءات، وتراجع الخدمات الأساسية، وانهيار بنية الطاقة، وتدهور مستوى التعليم، كل ذلك ما أدى إلى انزلاق معظم أفراد الطبقة الوسطى إلى دائرة الفقر.

مؤكدة أن تراجع الطبقة الوسطى انعكس بشكل مباشر على الاقتصاد السوري حيث تسبب في شلل الاستهلاك المحلي وانهيار القدرة الشرائية، إضافة إلى هجرة واسعة للكفاءات وتحول الغالبية نحو خط الفقر، ما أدخل الاقتصاد في حالة ركود تضخمي وأدى إلى نقص حاد في الكوادر المهنية والتعليمية.
آثار اقتصادية مدمرة
وفي السياق ذاته أوضحت محمد أن هذا الواقع أفرز آثاراً اقتصادية مدمرة أهمها انكماش السوق المحلية نتيجة فقدان الطبقة الوسطى لقدرتها الشرائية بفعل خسارة المدخرات وارتفاع الأسعار، الأمر الذي أدى إلى تراجع الطلب على السلع والخدمات وتوقف الإنتاج في العديد من المنشآت الصناعية، لافتةً إلى استمرار نزيف الكفاءات والعقول، مع هجرة أعداد كبيرة من الأطباء والمهندسين والكوادر التعليمية بحثاً عن فرص أفضل، ما حرم البلاد من رأس مالها البشري، في وقت تركزت فيه الثروة بيد فئة محدودة، ما أدى إلى استقطاب اقتصادي حاد وظهور ما يُعرف بـ”أثرياء الحرب”.
تحتاج سياسات شاملة
وترى صالح أن إعادة بناء الطبقة الوسطى في سوريا تتطلب تبني سياسات شاملة تبدأ بإنهاء النزاع وتحقيق الاستقرار الأمني والاقتصادي، إلى جانب إصلاح المؤسسات بما يضمن الشفافية وتشمل أيضاً دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة باعتبارها العمود الفقري لهذه الطبقة، وذلك عبر تقديم تسهيلات ائتمانية وحزم تحفيزية، كذلك إصلاح منظومة الأجور والرواتب لتواكب معدلات التضخم، واعتماد نظام ضريبي عادل يحد من الفساد ويخفف العبء عن ذوي الدخل المحدود والمتوسط، إضافة إلى تنمية الاقتصاد الإنتاجي من خلال دعم الزراعة والصناعات الغذائية الصغيرة لتوليد فرص عمل مستدامة.
منوهة كذلك إلى ضرورة تنظيم القطاع غير الرسمي ودمجه في الاقتصاد المنظم لضمان حقوق العمال وحمايتهم، مع وضع خطة وطنية لإعادة تأهيل التعليم والتدريب المهني وربط مخرجاتهما باحتياجات سوق العمل، واعتماد سياسات حماية اجتماعية طويلة الأمد تدمج بين البعد الإغاثي والتنمية المستدامة، وأيضاً الاستثمار في رأس المال البشري عبر تشجيع عودة الكفاءات المهاجرة واستقطابها، إضافة إلى تعزيز الإصلاح المؤسسي والحوكمة من خلال تطوير النظامين القانوني والقضائي وضمان الشفافية والمساءلة،وضمان عدالة إعادة الإعمار عبر إعطاء الأولوية للمناطق المتضررة ومشاركة المجتمع المحلي، وتفادي حصرها بمصالح فئات محددة.
السيناريوهات المحتملة
وأضافت الباحثة بوجود سيناريوهات محتملة لإعادة بناء الطبقة الوسطى لكنها تبقى مرتبطة بشكل وثيق بإنهاء النزاع وإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة لما لذلك من دور أساسي في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وفي حال غياب هذه الشروط تواجه الطبقة الوسطى خطر التلاشي الكامل، إذ تراجعت نسبتها من نحو 55% إلى أقل من 5%، لتتأرجح بين عدة سيناريوهات..
– الفقر المدقع: نتيجة استمرار انهيار الاقتصاد وتآكل القدرة الشرائية
– التعافي البطيء جداً: وهو سيناريو مشروط ببدء إعادة الإعمار وإجراء إصلاحات هيكلية عميقة
-الاستبدال: عبر نشوء طبقة جديدة قائمة على “أثرياء الحرب”
وتفصّل صالح هذه السيناريوهات مشيرة إلى أن السيناريو الأول يتمثل في استمرار تآكل القدرة الشرائية بفعل التضخم ما يدفع صغار الموظفين والحرفيين والمهنيين، وهم العمود الفقري للطبقة الوسطى، إلى ما دون خط الفقر.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في استمرار هجرة الكفاءات ما يؤدي إلى فقدان ما تبقى من رأس المال البشري من أطباء ومهندسين وأساتذة نتيجة ضعف الأمان الوظيفي وتدني الرواتب، الأمر الذي يجعل إعادة بناء الطبقة الوسطى أمراً بالغ الصعوبة على المدى القريب.
وأخيراً يمكن القول بين التآكل المتسارع والسيناريوهات القاتمة تقف الطبقة الوسطى في سوريا عند مفترق طرق حاسم حيث لم يعد إنقاذها خياراً اقتصادياً فحسب، بل ضرورة لإستعادة التوازن المجتمعي، وإعادة إطلاق عجلة الإنتاج، وبناء مستقبل أكثر استقراراً.