ما هو تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على التفكير وتشكيل الوعي؟

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية- مها يوسف:

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد أدوات للتواصل، بل تحولت إلى فضاء يومي يعيد تشكيل التفكير والوعي والسلوك النفسي، ويترك أثراً مباشراً على طريقة إدراك الأفراد لذواتهم وللعالم من حولهم، بين ما تتيحه من انفتاح معرفي وما تفرضه من ضغوط نفسية خفية.

وترى المدرسة في جامعة طرطوس كلية التربية قسم الإرشاد النفسي الدكتورة مايا بركات أن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي يحمل وجهين متناقضين، إيجابياً وسلبياً يتداخلان في تشكيل الوعي اليومي للأفراد.

تشكيل الوعي

توضح الدكتورة بركات في تصريحها لـ”الحرية” أن الجانب الإيجابي يتمثل في توسيع الآفاق المعرفية من خلال التعرض لثقافات ووجهات نظر متنوعة، وسرعة الوصول إلى المعلومات بشكل غير مسبوق، ما أسهم في كسر الحدود التقليدية للمعرفة والتواصل.

إلا أن هذا الانفتاح يقابله تأثير سلبي واضح، يتمثل في تراجع القدرة على التركيز لفترات طويلة نتيجة كثرة المحفزات، والميل إلى استهلاك محتوى سريع وسطحي على حساب التحليل والتفكير العميق. كما يسهم هذا النمط في تضخيم الأخبار المضللة وتفضيل المحتوى المثير على المحتوى الدقيق، مع صعوبة التمييز بين الرأي والحقيقة وضعف فرص المعالجة المعرفية المتأنية.

الإرهاق النفسي

وفيما يتعلق بالشعور بالفراغ والإرهاق النفسي بعد التصفح الطويل، تبيّن الدكتورة بركات أن التدفق المستمر وغير المنقطع للمحتوى يستنزف الطاقة الذهنية والانتباه، خاصة مع الانتقال السريع بين الصور والفيديوهات والنصوص.

كما أن المقارنات الاجتماعية السلبية، والتركيز على إنجازات الآخرين، تولّد شعوراً بعدم الكفاية والفشل الذاتي. وتضيف أن العلاقات الرقمية السطحية، رغم كثرتها، تفتقر إلى الحميمية الموجودة في العلاقات الواقعية، ما يفاقم الشعور بالوحدة، إلى جانب الإحساس المؤقت بالرضا الذي سرعان ما يتبعه فراغ نفسي أعمق. كما يُستخدم التصفح أحياناً كوسيلة للهروب من المشكلات وتأجيل المهام، ليعقبه شعور بالذنب نتيجة ضياع الوقت دون إنجاز ذي معنى.

الذات والمقارنة

وتلفت الدكتورة  بركات إلى أن الاعتماد على الإعجابات والتعليقات في تحديد القيمة الذاتية يحوّل مصدر تقدير الذات من داخلي إلى خارجي، قائم على ردود فعل غير مستقرة، ما يؤدي تدريجياً إلى شعور بالنقص حتى لدى الأشخاص الذين يحققون إنجازات حقيقية، ويجعل الحالة المزاجية رهينة للتفاعل الرقمي صعوداً وهبوطاً.

كما تسهم المقارنة المستمرة في خلق تصور غير واقعي عن النجاح، وكأنه يجب أن يكون سريعًا وخطيًا كما يظهر في الصور والمنشورات، ما يولد إحباطاً وقلقاً وشعوراً بالتأخر عن الآخرين، ويؤدي إلى تجاهل الجهد والتحديات الكامنة خلف إنجازات الآخرين، وصولاً إلى فقدان القدرة على الاستمتاع بالنجاحات الحالية وصعوبة اتخاذ القرارات خوفاً من عدم كونها الأفضل.

مؤشرات الخطر

وحول إمكانية تحوّل وسائل التواصل إلى بديل عن العلاقات الحقيقية، تؤكد الدكتورة بركات أنها لا يمكن أن تكون سوى بديل وهمي، يحرم الفرد من جوهر العلاقات الإنسانية القائم على الحميمية والثقة والفهم العميق. وتحذر من علامات استخدام غير صحي نفسياً، أبرزها تقلبات المزاج المرتبطة بالتفاعل الرقمي، فقدان السيطرة على الوقت، ضعف التواصل الواقعي، تراجع التركيز، تقييم الذات بناءً على ردود الفعل الافتراضية، والمقارنة المرضية التي تستنزف الطاقة النفسية.

التوصيات العملية

وتختم الدكتورة بركات بالتأكيد على أهمية استخدام وسائل التواصل لتعزيز العلاقات الواقعية لا استبدالها، تحديد أوقات واضحة للتصفح و كسر حلقة المقارنة الضارة و تدوين النعم والإنجازات الشخصية، وبناء مصادر داخلية مستقرة لتقدير الذات عبر تطوير المهارات والإنجازات الحقيقية وممارسة التقدير الذاتي غير المشروط.

Leave a Comment
آخر الأخبار