الحرية- هناء غانم :
في ظل تصاعد التوتر العسكري الإقليمي واتساع رقعة المواجهة بين إيران من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى، تتجه الأنظار إلى التداعيات الاقتصادية التي قد تتجاوز حدود الصراع العسكري لتصيب الاقتصادات الهشة بشكل مباشر.
ومع تصاعد المخاوف من اضطراب أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، تبرز الحاجة الملحة لتحرك اقتصادي استباقي يحمي الداخل من ارتدادات حرب قد تطول.
وفي هذا الإطار، أطلق الدكتور عبد الحكيم المصري، وزير الاقتصاد السابق في حكومة الإنقاذ، تحذيرًا واضحًا، داعيًا إلى تحصين الاقتصاد السوري عبر إجراءات عاجلة واستثنائية تمنع انتقال الصدمة الخارجية إلى السوق المحلية.

المصري أكد لـ”الحرية” أن الحرب الدائرة في المنطقة لم تعد صراعًا عسكريًا محدودًا، بل تحولت إلى عامل ضغط مباشر على الاقتصاد العالمي، لا سيما في مجالات الطاقة والنقل والتجارة الدولية.
وصرّح أن كل تصعيد عسكري جديد يرفع منسوب المخاطر الاقتصادية، ويزيد احتمالات ارتفاع أسعار النفط، وتعطّل حركة الشحن، وارتفاع تكاليف التأمين، ما ينعكس بشكل مباشر على أسعار السلع عالميًا.
نقطة الخطر الأكبر في معادلة الطاقة
وأوضح الوزير السابق أن أي تهديد لحركة الملاحة في مضيق هرمز يشكل خطراً استثنائياً، نظرًا لكونه أحد أهم شرايين نقل النفط في العالم، مشيراً إلى أن دخول دول كبرى مثل الصين —ثاني أكبر مستهلك للنفط بعد الولايات المتحدة— في سباق تأمين الإمدادات، سيؤدي إلى زيادة الطلب وارتفاع الأسعار بوتيرة سريعة.
وأكد أن ارتفاع أسعار النفط لا يبقى محصوراً في قطاع الطاقة، بل ينعكس على كلفة النقل، والإنتاج، وأسعار الغذاء، ما يولد موجة تضخم عالمية جديدة.
الاقتصاد السوري أمام مخاطر مضاعفة
وحول انعكاس هذه التطورات على سوريا، شدد المصري على أن الاقتصاد السوري أكثر عرضة للتأثر، بسبب اعتماده على الاستيراد وحساسية طرق الإمداد الإقليمية.
وقال: إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في ارتفاع الأسعار، بل في احتمال اضطراب أو تأخر الإمدادات، خاصة في حال توسع التوتر ليشمل ممرات بحرية أو برية حيوية، أو في حال تصاعد التوتر في اليمن وما يرافقه من تهديد لحركة التجارة.
تحوط اقتصادي استباقي
ودعا الوزير السابق إلى اعتماد سياسة تحوط اقتصادي قوية تقوم على إجراءات استباقية، مؤكدًا أن التحرك المبكر أقل كلفة بكثير من معالجة أزمة بعد وقوعها،وذلك من خلال:
أولا: تعزيز المخزون الاستراتيجي
أكد ضرورة رفع الاحتياطي من المشتقات النفطية والقمح والحبوب والمواد الغذائية الأساسية والأدوية والمواد الطبية.
ثانيا: تنويع قنوات الاستيراد:
وشدد على أهمية عدم الاعتماد على مسار واحد للاستيراد، مع تكثيف التوريد عبر المعابر الأكثر استقراراً، خصوصاً من خلال التعاون التجاري مع تركيا ودول بعيدة عن مناطق التوتر.
ثالثا: دعم الإنتاج المحلي:
ودعا إلى تحفيز الزراعة والصناعات الغذائية والسلع الاستهلاكية الأساسية، لتقليل الاعتماد على الخارج وتعزيز قدرة السوق المحلية على الصمود.
رابعا: ضبط الأسواق ومنع الاحتكار:
وأكد ضرورة تشديد الرقابة لمنع التخزين والمضاربة، وضمان توفر السلع في الأسواق وعدم انقطاعها.
توفر السلع أولوية
وأوضح المصري أن ارتفاع الأسعار في الأزمات العالمية أمر واقع، لكن الأخطر هو فقدان السلعة من السوق.. مشدداً على أن السياسة الاقتصادية يجب أن تركز على ضمان استمرار تدفق المواد الأساسية، حتى في ظل ارتفاع التكاليف.
وأكد أن تحصين الاقتصاد السوري لم يعد خياراً سياسياً، بل ضرورة وطنية لحماية الأمن المعيشي والاستقرار الاجتماعي في مرحلة إقليمية شديدة التقلب.