بدايات متواضعة تحتاج المزيد من التطوير.. تقنية الخلايا الجذعية في سوريا بين العلم والقانون

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – بشرى سمير :

حظيت تقنية العلاج باستخدام الخلايا الجذعية على اهتمام العلماء والباحثين في السنوات القليلة الماضية، وعدّها البعض ثورة علاجية كبيرة تنبع من جسد الإنسان نفسه لمعالجة عدد من الاضطرابات الصحية ومنها الأمراض المستعصية مثل السرطانات.

ويُعد نقي العظام مصنع الجسم الدموي، ومركزاً حيوياً للخلايا الجذعية المكونة للدم ومن المعروف خطورة هذا النوع من الأمراض وعلاجاته دقيقة وتتطلب بنية تحتية طبية متطورة ، وسوريا ليست بمنأى عن الثورة العلمية هذه، ورغم التحديات خطت خطوات عدة في هذا المجال للنهوض بعلاج الأمراض الدموية والسرطانية في المستقبل.

وفي هذا السياق تحدث الدكتور سلمان البقاعي اختصاصي أمراض الدم للحرية معرّفا الخلايا الجذعية، وموضحاً أنها خلايا غير متخصصة لديها القدرة على التحول إلى أنواع مختلفة من الخلايا في الجسم، ولها قدرة على الانقسام والتجدد الذاتي.

تُصنف إلى نوعين رئيسيين: الخلايا الجذعية الجنينية (المستخلصة من الأجنة) والخلايا الجذعية البالغة (الموجودة في أنسجة البالغين مثل نخاع العظم والدم). في السنوات الأخيرة، ظهر نوع ثالث هو الخلايا الجذعية المحفزة التي يتم إعادة برمجتها من خلايا بالغة.

الخلايا الجذعية حققت نسبة نجاح عالية في معالجة الأمراض السرطانية والدموية تصل إلى 90 %

وعن تطبيقات الخلايا الجذعية يقول البقاعي إنها واسعة وتشمل علاج الأمراض المستعصية مثل السرطان، السكري، أمراض القلب، وأمراض الجهاز العصبي، بالإضافة إلى استخدامها في أبحاث تطوير الأدوية ودراسة تطور الأمراض.

مبيناً أنه تم إنشاء أول مركز متخصص لزرع الخلايا الجذعية للأطفال في سوريا بدمشق، وذلك يُعد إنجازاً طبياً هاماً يهدف لعلاج أمراض مستعصية خاصة السرطانات، تم افتتاحه في 2021، ما سمح بتخزين هذه الخلايا لاستخدامها مستقبلاً من قبل الطفل أو أفراد عائلته.

كما استخدمت الخلايا الجذعية الذاتية (المأخوذة من المريض نفسه) في علاج تقرحات القدم السكرية وبعض حالات الحروق و أمراض الدم الوراثية، مثل التلاسيميا في حالات محدودة معدل النجاح لأنواع مختلفة من زراعة نخاع العظم.

معدلات النجاح

وعن معدلات النجاح، بين البقاعي أنها تختلف في كل نوع من أنواع زراعة نخاع العظم لذا يجب أن يكون لديك فهم كامل لهذه الأنواع ومعدلات نجاحها قبل الخضوع لعملية زراعة نخاع العظم، مثلاً في الأمراض غير السرطانية، تتراوح معدلات نجاح زراعة نخاع العظم الخيفي مع متبرع ذي صلة من 70% إلى 90%، وبقصد بزراعة النخاع الخيفي (أو زرع الخلايا الجذعية الخيفية) وهو إجراء طبي يُستخدم لعلاج أمراض الدم والسرطانات، ويتضمن استبدال نخاع عظم المريض التالف بخلايا جذعية سليمة من متبرع آخر، سواء كان قريبًا أو غريبًا، بعد تدمير نخاع المريض القديم بالكيماوي/الإشعاعي، ما يسمح للجسم بإنتاج خلايا دم جديدة صحية وربما مهاجمة الخلايا السرطانية في حين قد تتراوح معدلات نجاح عملية زرع نخاع العظم الخيفي مع متبرع غير ذي صلة من 36% إلى 65%.كما قد تتراوح معدلات نجاح عمليات زرع نخاع العظم الذاتي بين 50% و80%، وهي معدلات نجاح عالية.

أبحاث محلية وعربية

وأشار إلى نشر باحثين سوريين لعدة أبحاث في مجلات محلية وعربية حول الخلايا الجذعية، ركزت بشكل رئيسي على تقنيات جمع الخلايا من الحبل السري وتجارب مخبرية على الفئران وأضاف أن هناك قلة في الخبراء السوريين المدربين تدريباً عالياً في هذا المجال المتخصص.

ولم ينفِ بقاعي وجود تحديات جسيمة في تطوير أبحاث الخلايا الجذعية أبرزها ما سببته الحرب من تدهور النظام الصحي والبحثي، وهجرة العقول، وصعوبات في استيراد المعدات والتقنيات إضافة إلى العقبات المالية ونقص التمويل الموجه للبحث العلمي، وارتفاع تكاليف المعدات والمستلزمات المخبرية. ومحدودية المختبرات المتخصصة والتجهيزات التقنية المتطورة اللازمة لأبحاث الخلايا الجذعية، مع العلم أن مشفى الأطفال الجامعي في دمشق يعد أول مركز وطني لزراعة الخلايا الجذعية الدموية مجاناً لمرضى السرطان من الأطفال، إلى جانب مركز “المشفى العسكري” بدمشق الذي كان مخصصاً لزراعة الخلايا الجذعية للبالغين، إضافة إلى المجموعة السورية لزرع النقي والخلايا.

إطار تنظيمي وتشريعي

من جهته بيّن المحامي مروان سرور أنه تم في سوريا وضع إطار تنظيمي لأبحاث الخلايا الجذعية، حيث أصدرت وزارة الصحة قبل عدة سنوات عدة قرارات تنظيمية تحدد شروط وضوابط استخدام الخلايا الجذعية، مع التركيز على حصر استخدام الخلايا الجذعية البالغة فقط (لأسباب أخلاقية ودينية)، ومنع استنساخ الأجنة البشرية إضافة إلى تنظيم تخزين الخلايا الجذعية من الحبل السري.

معرباً عن أمله في أن تكون هناك مشاركات سورية في المؤتمرات الدولية والتعاون مع مراكز البحث العالمية، وأن يكون هناك تعاون الإقليمي مع دول عربية وإسلامية تتقاسم الإطار الأخلاقي نفسه، للنهوض في أبحاث الخلايا الجذعية التي تركز على الخلايا الجذعية البالغة والمحفزة، والتي لا تثير تحفظات أخلاقية، وتطوير التشريعات القانونية لتنظيم وحماية البحث العلمي في هذا المجال، وتأسيس شبكات بحثية وطنية تجمع بين الجامعات والمستشفيات والمراكز البحثية، مع الاستفادة من الخبرات السورية في الخارج عبر برامج التعاون مع العلماء السوريين في الدول المتقدمة.

إعادة إعمار النظام الصحي

وفي الختام يمكن القول إن سوريا شهدت بدايات متواضعة في مجال أبحاث الخلايا الجذعية، وحققت بعض الإنجازات على مستوى التطبيقات العلاجية البسيطة وإنشاء بنك للحبل السري، لكن الحرب التي مرت بها البلاد أثرت سلباً على تطور هذا المجال الواعد. ويتطلب النهوض بأبحاث الخلايا الجذعية في سوريا استقراراً سياسياً وأمنياً، وتخصيص موارد مالية كافية، وتطوير البنية التحتية البحثية وتبقى الخلايا الجذعية مجالاً واعداً يمكن أن يسهم في علاج العديد من الأمراض المستعصية، ويستحق الاستثمار والاهتمام كجزء من إعادة إعمار النظام الصحي والبحثي في سوريا بعد سنوات الحرب.

Leave a Comment
آخر الأخبار