بسبب ظروف المعيشة و”تقنين الإنجاب”.. برامج إرشادية تساعد الأهل على مواجهة قلق المستقبل

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية- دينا عبد:

تعيد بعض الأسر السورية ترتيب أولوياتها والتفكير في قراراتها الإنجابية، رغبةً منها في تحقيق التوازن بين عدد الأبناء وقدرتها على توفير حياة كريمة وذلك بسبب الظروف الاقتصادية، وتصاعد الضغوط وارتفاع تكاليف المعيشة وإيجارات المنازل.

انتشار الوعي

تقول سماهر المتزوجة حديثاً إنها أجلّت موضوع الإنجاب لفترة وذلك بسبب تراجع الوضع الاقتصادي وعدم ثبات الدخل الشهري لزوجها الذي يعمل بالتجارة والأعمال الحرة.
مشيرةً إلى أنها باتت تفكر بوعي أكثر من الزمن الماضي، فانتشار التعليم بين النساء اليوم انعكس إيجاباً على تفكيرهم بتنظيم الأسرة وعدد الأبناء، فمن يفكر بالإنجاب في هذه الظروف عليه أن يوفر ميزانية للطفل قبل التفكير بإنجابه وذلك لأن متطلباته تحتاج إلى مورد جيد لتلبية احتياجاته الأساسية.

لا يوجد عمل ثابت

سامر هو الآخر مقبل على الزواج بعد فترة خطوبة طويلة، يبين أن عدم توفر فرصة عمل ثابتة منعته من تأسيس أسرة، فيعمل يوماً ولا يعمل يوماً، حيث إن البطالة المتفشية بالنسبة للشباب وعدم استقرار الدخل أخر الزواج، وهو ما يؤثر سلباً على معدلات الولادة باعتبار أن الإنجاب يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتوفر دخل مستقر إضافة لضعف الأمان الوظيفي بالنسبة للشباب الذي جعل التخطيط الأسري أكثر حذراً بالنسبة لهم..

باحثة اجتماعية: المسؤولية الاقتصادية والنفسية حاضرة بقوة قبل اتخاذ القرار الانجابي

اتفاق مسبق

الباحثة الاجتماعية غدران نجم بينت خلال حديثها لـ”الحرية” أن ما نشهده اليوم من ميل العائلات إلى تقليص عدد الأبناء، أو الاتفاق المسبق على عدم الإنجاب ليس خياراً فردياً معزولاً أو ترفاً فكرياً، بل هو استجابة اجتماعية عقلانية لواقع اقتصادي عالمي متأزم، وهذا في الحقيقة يعكس ارتفاعاً في الوعي بالمسؤولية الوالدية، حيث أصبحت المسؤولية الاقتصادية والنفسية حاضرة بقوة قبل اتخاذ القرار، لكنه في الوقت ذاته، يكشف عن هشاشة منظومة الدعم الاجتماعي، ويحوّل تكوين الأسرة من فعل طبيعي تلقائي إلى مشروع استثماري عالي المخاطر حيث يتم فحص كلفة المعيشة قبل مناقشة رغبة الأمومة والأبوة..
لافتةً إلى أنه عند إسقاط هذا المشهد على الواقع السوري، نجد أن الأسرة تمر بمرحلة إعادة صياغة، حيث القرار هنا لا يخضع لرفاهية الاختيار، بل لمعادلات حسابية معقدة تفرضها سنوات الحرب وعدم الاستقرار الاقتصادي، فالشريكان اليوم يناقشان كلفة الحليب والتعليم كأولوية قصوى، ما حول الإنجاب إلى صرخة احتجاج صامتة ضد واقع لا يرحم.


مضيفة: بتنا نرى ظاهرة عدم الإنجاب الاختيارية خاصة في أوساط المثقفين والمتعلمين كآلية دفاعية للنجاة من الفقر، أو للحفاظ على حد أدنى من الكرامة المعيشية لشخصين بدلاً من الفشل في إعالة ثلاثة.
ومن الملاحظ أيضاً ظهور ما يسمى المراهقة المتأخرة حيث تعثر فرص العمل وغياب الأمان الوظيفي لم يؤخرا الزواج فحسب، بل خلقا حالة من العجز المادي تدفع الشباب نحو العزوف أو الهروب من المسؤولية، ما يولد قلقاً وجودياً تجاه المستقبل.
وقالت الباحثة: بالطبع استمرار هذا النمط يؤدي إلى تغيرات عميقة في بنية المجتمع السوري، أبرزها أننا نتجه نحو شيخوخة مجتمعية مبكرة، ما يعني نقصاً في القوى العاملة مستقبلاً وزيادة عبء الإعالة.
وفي ظل غياب نظام تقاعد مجزٍ كان الأبناء هم الضمان الاجتماعي للأهل، وتقليص عددهم يضعف هذا التكافل التاريخي، وأصبح شعور الشاب بالعجز عن تحقيق ذاته بيولوجياً واجتماعياً يؤدي إلى فقدان الانتماء للمكان، والبحث المستمر عن الهجرة كحل وحيد.
إضافة لتراجع دور العائلة الكبيرة لصالح العائلة المتقشفة، ما يقلل من الدعم النفسي والاجتماعي المتبادل.

الحلول

بصفتنا باحثين، تقول نجم: لا نملك ترف التنظير بعيداً عن الاحتياجات الأساسية، لذا من المناسب الإشارة إلى أهمية توعية المجتمع بأن تربية طفل واحد بفرص تعليمية ونفسية جيدة أفضل من إنجاب عدد كبير في بيئة حرمان ،وتشجيع الأسر الشابة على السكن المشترك أو التعاون في الكلف التشغيلية (كالحضانات الجماعية) لتخفيف العبء.
والانتقال من المعونات الغذائية إلى دعم المشاريع الصغيرة للمقبلين على الزواج لتوفير استقرار مالي مستدام.
وختمت نجم حديثها بتأكيد أننا بحاجة لبرامج إرشادية تساعد الأهل على مواجهة قلق المستقبل لكي لا يتحول الفقر المادي إلى توتر نفسي يدمر طفولة الأبناء، فتراجع الإنجاب في سوريا ليس مجرد انخفاض في الخصوبة، بل هو صرخة اجتماعية احتجاجية فنحن أمام جيل يضحي بأمومته وأبوته ليحمي أطفاله المفترضين من بؤس يراه بعينيه كل يوم، ومواجهة هذا التحدي لا تبدأ بالوعظ بـالبركة بل بتمكين هؤلاء الشباب من رؤية ضوء في نهاية نفق الأزمات المادية.
المرشدة النفسية صفا كالوح بينت أن العامل الاقتصادي ليس الوحيد الذي يدفع الأسر إلى تحديد النسل أو التباعد بين الولادات، على العكس تماماً فإن حاجة الأطفال إلى الرعاية والاهتمام تتطلب وقتاً وجهداً لا يتوفران لكثير من النساء.
مشيرةً إلى وجود موازين تربوية في قضية إنجاب الأطفال وتربيتهم، باعتبار ذلك مسؤولية كبيرة يجب أن يضطلع بها الوالدان في تغطية حاجات الطفل على مختلف الصعد.
واعتبرت الأخصائية النفسية أن الجيل الجديد من الآباء والأمهات يتحمل مسؤولية تربوية أعلى بكثير من الأجيال السابقة، فحسب رأيها فإن الأجيال الماضية قصّرت في مجال تربية أبنائها بحكم الواقع الذي كانت تعيشه في تلك الفترات.
والعالم المعاصر الذي سيعيش فيه الطفل أصبح معقداً وخطيراً من الناحية النفسية، فطفل اليوم يتعرض مبكراً إلى العديد من المؤثرات التي لم تكن موجودة سابقاً، مثل شاشات التلفزة والأجهزة اللوحية والهواتف النقالة، إلى جانب تسارع الإيقاع اليومي، وهو ما يجعل الأسرة تكافح من أجل حماية أطفالها من هذه المؤثرات.
وأوضحت أن الوعي التربوي لدى الجيل الحالي يحمّله مسؤولية أكبر تجاه الطفل مقارنة بالأجيال السابقة التي كانت تتكئ على منظومة اجتماعية أوسع، مؤكدة أن الاهتمام بالطفل بات ضرورة نفسية، لأن الإهمال لا يؤدي إلى مجرد اضطرابات فردية لدى الأطفال، بل تنتج عنه أجيال غير قادرة على مقاومة الضغوط التي نتحملها نحن اليوم.

Leave a Comment
آخر الأخبار