تلك اللحظة التي نسميها «الآن»

مدة القراءة 3 دقيقة/دقائق

الحرية- د. رحيم هادي الشمخي:

– أين ذهب الأمس؟…
– إنه أول التساؤلات في أفق وعيي البكر..
– مع تقدمي النسبي في الزمان، مع إدراكي تفاصيل لم أكن أعرفها من قبل صرت أتساءل، عن تلك اللحظة التي نسميها «الآن»، من أين تجيء؟ إلى أين تمضي؟ لماذا لا تثبت؟ لماذا لا نقدر على التأثير فيها بالإبطاء أو الإسراع؟ لماذا تفلت هاربة باستمرار، تعبرنا بلا توقف أو تمهل؟ هل نحن الذين نمر بها أو هي التي تمر بنا؟.
– تساؤلات عديدة محورها الزمن، بلا إجابات حاسمة حتى الآن، وعندما تستعصي الأجوبة يصبح طرح الاستفسارات نوعاً من المعرفة، كان لابد أن يمضي وقت طويل حتى أدرك أن الدهر أو الوقت أو الزمن أو العصر أو الآن أو الماضي أو المستقبل، كل هذه التسميات ما هي إلا رموز لتلك القوة التي تدفعنا باستمرار إلى الأمام، فمنذ مجيء الإنسان إلى العالم، منذ خروجه من الرحم، الميلاد، منذ الصرخة الأولى يبدأ نقصانه فكل لحظة تدفعه إلى النهاية، قوة هائلة لا قبل لنا بردها أو التأثير فيها، تدفعنا صوب تلك النقطة، صوب الغروب، صوب إنسدال الستار والمضي إلى حيث لا ندري، وقديماً منذ أربعة آلاف سنة تساءل شاعر عربي مجهول أثناء عزفه على قيثارته:
– «وهل عاد أحد من هناك ليخبرنا عما رآه»؟..
– لم يعد أحد ليخبرنا عن موضع المغيب الأبدي، كذلك ما من تفسير مقنع حتى الآن أو تفسير مضى قدمه العلم الإنساني المزمن، كان لابد أن يمضي وقت طويل حتى أدرك أن الدهر أو الوقت أو الزمن هو الذي يؤثر فينا، هو الذي يطوينا ولا نطويه.
– لكنني مثل البشر الذين أنتمي إليهم، لم أستسلم، فمازلت أسعى، مازلت أتساءل؟
– ما الزمان..؟
– ما المكان..؟
– مازلت رغم وعيي الأتم أن كل شيء يمضي إلى فناء، أحاول أن أترك علامة، وما أكتبه هو تلك العلامة، ما من قوة إنسانية تحاول جاهدة قهر هذا الفناء المستمر، هذا العدم المؤكد، إلا الإبداع بمختلف أشكاله ومحتوياته، وقد قيل قديماً أن الزمان مكان سائل، والمكان زمن متجمد، والحقيقة أنهما عرضان لشيء واحد يمكن أن نسميه العالم أو الوجود، فلنجرب أن نتذكر لحظة ما انقضت لابد أنها ستقترن بمكان، بموضع ما، فلنجرب أن نتذكر مكاناً مررنا به أو عشنا فيه أو أمضينا فيه وقتاً سنجده مقترناً بلحظة ما.
– في مواجهة الفناء، أين ذهب الأمس؟

Leave a Comment
آخر الأخبار