الحرية- هناء غانم:
في ظل تصعيد عسكري غير مسبوق تشهده المنطقة، عقب الضربات الأمريكية–الإسرائيلية التي استهدفت مواقع إيرانية حساسة، تتزايد المخاوف من انزلاق الأوضاع نحو مواجهة إقليمية واسعة، بما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية ثقيلة على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وعلى الاقتصادات العربية على وجه الخصوص، ولا سيما الدول المستوردة للطاقة.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور زياد أيوب عربش أن التصعيد العسكري الأمريكي–الإسرائيلي ضد إيران لا يمكن النظر إليه كحدث عسكري محدود أو عابر، بل يمثل نقطة تحول خطيرة ذات تداعيات اقتصادية عميقة على مستوى المنطقة العربية والاقتصاد العالمي، خاصة في ظل التهديد المباشر للممرات البحرية الاستراتيجية وفي مقدمتها مضيقا هرمز وباب المندب.
وبين عربش في تصريح لـ”الحرية” أن أسواق الطاقة بدأت بالفعل تسجيل تفاعلات فورية مع هذا التصعيد، حيث ارتفعت أسعار النفط خلال ساعات قليلة، في إشارة واضحة إلى حجم القلق العالمي من احتمال توسع النزاع وتحوله إلى مواجهة إقليمية طويلة الأمد. وأوضح أن مجرد التلويح بإغلاق مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة تتراوح بين 20 و25% من تجارة النفط العالمية، كفيل بدفع أسعار الخام إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل، خاصة إذا ترافقت التطورات مع تعطيل جزئي أو كلي للملاحة في باب المندب.
وأضاف: هذا الارتفاع في أسعار النفط لن يبقى محصورًا في أسواق الطاقة، بل سينعكس مباشرة على أسعار المشتقات النفطية، من بنزين وديزل وغاز مسال، وهو ما سيقود تلقائيًا إلى ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج وأسعار الغذاء، ما يضع الاقتصادات المستوردة للطاقة أمام موجة تضخمية سريعة وقاسية.
وحذّر الدكتور عربش من أن سوريا تُعد من أكثر الدول هشاشة أمام هذا السيناريو، نظرًا لاعتمادها شبه الكامل على الاستيراد لتأمين النفط ومشتقاته، إضافة إلى الغاز ومستلزمات الإنتاج.
وأكد أن سوريا تحتاج يوميًا إلى ما يقارب 110–120 ألف برميل نفط بين خام ومشتقات، وأن أي اضطراب في سلاسل الإمداد البحرية أو البرية سيؤدي خلال فترة قصيرة إلى نقص حاد في الوقود وارتفاع كبير في أسعاره، مع انعكاسات مباشرة على القطاعات الصناعية والزراعية والنقل، وعلى كلفة المعيشة للمواطنين.
وأوضح أن التأثير لن يقتصر على الطاقة فقط، بل سيمتد إلى سلاسل التوريد للمواد الأولية ومستلزمات الإنتاج المستوردة من دول الإقليم ومن آسيا وأوروبا، ما يهدد بتباطؤ النشاط الصناعي وارتفاع أسعار السلع الأساسية بنسبة قد تتراوح بين 15 و25% خلال فترة زمنية قصيرة، في حال استمر التصعيد أو توسع نطاقه.
وأشار عربش إلى أن الدول العربية عمومًا ستتأثر بدرجات متفاوتة، موضحًا أن ارتفاع أسعار النفط قد يحقق مكاسب مالية مرحلية لدول الخليج المصدّرة للطاقة مثل السعودية والإمارات، إلا أن هذه المكاسب تبقى محدودة ومؤقتة في ظل المخاطر المرتبطة بتعطل التصدير أو تراجع الطلب العالمي في حال دخول الاقتصاد الدولي مرحلة تباطؤ أو ركود.
وفي المقابل، أكد أن الدول العربية المستوردة للطاقة، مثل الأردن ولبنان والمغرب وسوريا، ستتحمل أعباء اقتصادية فورية، تتمثل في ارتفاع كلفة الاستيراد، وتزايد العجز المالي، وتراجع القدرة على ضبط الأسعار، فضلًا عن تراجع حركة السياحة والشحن في البحر الأحمر، وما يرافق ذلك من خسائر يومية بملايين الدولارات.
وأضاف: إن استمرار التصعيد لأكثر من أسبوعين سيدخل المنطقة في مرحلة أكثر خطورة، حيث قد تتجاوز أسعار النفط حاجز 100 دولار للبرميل، وتتعرقل سلاسل التوريد العالمية، ما يؤدي إلى ركود في التجارة العربية بنسبة قد تصل إلى 20–25%، إلى جانب ارتفاع تكاليف الاقتراض وزيادة الديون الخارجية، وتآكل الاحتياطيات النقدية في عدد من الدول.
وختم الدكتور عربش بالتأكيد على أن ما يجري لا يمكن فصله عن مفهوم الأمن الاقتصادي العربي، معتبرًا أن أي حرب طويلة الأمد في هذه المنطقة الحساسة من العالم لن تكون كلفتها اقتصادية فقط، بل ستنعكس على الاستقرار الاجتماعي والمعيشي، وستضع معظم الاقتصادات العربية أمام اختبارات قاسية تتطلب سياسات طوارئ واستجابات سريعة لتخفيف حدة الصدمات المحتملة..