الحرية – جهاد اصطيف:
شكلت مدينة حلب واحدة من أهم المحطات في مسار الصراع السوري منذ اندلاع الاحتجاجات عام 2011، لما كانت تمثله من ثقل تاريخي واقتصادي وجغرافي جعلها ساحة حاسمة في مختلف مراحل المواجهة، وبمناسبة الذكرى السنوية للثورة السورية لا تزال حلب حاضرة في الذاكرة السورية بوصفها المدينة التي شهدت تحولات كبرى كان لها تأثير مباشر على مسار الصراع داخل البلاد، بل وعلى التوازنات في المنطقة بأسرها.
بداية الحراك .. جامعة حلب شرارة أولى
مع انطلاق الاحتجاجات في سوريا عام 2011، بدأت المظاهرات في مدينة حلب بوتيرة أبطأ مقارنة ببعض المدن الأخرى، إلا أن جامعة حلب شهدت في تلك الفترة أول التحركات الطلابية التي سرعان ما امتدت إلى عدد من أحياء المدينة، قبل أن تتوسع لاحقاً في ريف حلب الذي تحول إلى أحد أبرز معاقل المعارضة خلال السنوات التالية.
ويقول الموجه التربوي والخبير التاريخي محمود الصالح في حديث لـ ” الحرية ” إن حلب كانت مدينة مفصلية في الصراع منذ البداية، لأنها العاصمة الاقتصادية لسوريا، وأي تغيير في موازين القوى داخلها كان يعني بالضرورة تغيراً في المشهد العام على مستوى البلاد.
عام 2012 .. انقسام المدينة وبداية المعركة الكبرى
في صيف عام 2012 دخلت فصائل من المعارضة المسلحة إلى مدينة حلب، وسيطرت على أجزاء واسعة من أحيائها الشرقية، بينما بقيت الأحياء الغربية تحت سيطرة النظام البائد، لتدخل المدينة مرحلة طويلة من القتال والانقسام، استمرت لسنوات وأدت إلى دمار واسع في البنية التحتية وسقوط آلاف الضحايا.
ويشير الصالح إلى أن معركة حلب كانت من أعقد المعارك في الحرب السورية، لأن المدينة لم تكن مجرد موقع عسكري، بل مركزاً اقتصادياً وسكانياً ضخماً، والسيطرة عليها كانت هدفاً استراتيجياً لكل الأطراف.
سنوات النار 2013 – 2014 .. تصعيد غير مسبوق
بين عامي 2013 و2014 شهدت حلب واحدة من أعنف مراحل القتال، حيث تعرضت مناطق واسعة من المدينة لقصف مكثف أدى إلى دمار كبير في الأحياء السكنية والمرافق الحيوية، في وقت تصاعدت فيه الاشتباكات البرية بين ميلشيات قوات النظام البائد وفصائل المعارضة.
وخلال تلك المرحلة، تحولت حلب إلى رمز لمعاناة المدنيين في الحرب السورية، بعدما تضررت المستشفيات والمدارس وشبكات الخدمات بشكل واسع، الأمر الذي جعل المدينة محور اهتمام دولي متكرر في تقارير المنظمات الإنسانية.
2015 .. تدخلات خارجية وتغير موازين الميدان
شهد عام 2015 تطوراً كبيراً في مسار الحرب مع دخول قوى خارجية بشكل مباشر في العمليات العسكرية، ما أدى إلى تصعيد واسع في جبهات القتال، خاصة في ريف حلب، الذي أصبح ساحة مفتوحة لمعارك متواصلة بين أطراف متعددة.
ويؤكد الخبير التاريخي أن التدخلات الخارجية حولت معركة حلب من صراع محلي إلى صراع إقليمي ودولي، وأصبحت المدينة نقطة تقاطع لمصالح قوى كبرى، وهو ما جعل نتائج المعارك فيها تتجاوز حدود سوريا.
2016 .. الحصار والمعركة الحاسمة
في عام 2016 بلغت المعارك في حلب ذروتها، خصوصاً في الأحياء الشرقية التي تعرضت لحصار وقصف مكثف، ما تسبب في أزمة إنسانية كبيرة، قبل أن تنتهي المعركة بسيطرة قوات النظام البائد على كامل المدينة في نهاية العام، وهو ما اعتبر آنذاك أحد أهم التحولات في مسار الحرب السورية.
ويرى الصالح أن سقوط شرق حلب عام 2016 كان نقطة تحول كبرى، لأنه أعاد رسم خريطة السيطرة في سوريا، وأعطى مؤشرات على أن الصراع دخل مرحلة مختلفة تماماً، ليشكل بعدها نقطة الإنطلاقة الرئيسية لمعركة ” ردع العدوان ” في العام 2024 وتشهد سوريا النصر المؤزر والتحرير، معلنة نهاية حقبة كاملة من ظلم واستبداد دام لأكثر من خمسة عقود.
ريف حلب .. ساحة مفتوحة حتى السنوات الأخيرة
لم تتوقف المواجهات في ريف حلب خلال السنوات التالية، إذ شهدت المنطقة تغيرات متكررة في السيطرة واندلاع معارك متفرقة، جعلتها إحدى أكثر الجبهات نشاطاً في الصراع السوري.
وتشير بعض القراءات السياسية والعسكرية إلى أن العمليات التي شهدها ريف حلب في السنوات الأخيرة أعادت طرح المدينة مجدداً كعامل مؤثر في موازين القوى، خاصة مع ارتباطها المباشر بطرق التجارة والحدود مع تركيا وموقعها القريب من مناطق نفوذ إقليمية مختلفة.
انعكاسات حلب على سوريا والمنطقة والعالم
يرى الخبير التاريخي أن أهمية حلب لا تتعلق فقط بكونها مدينة كبيرة، بل لأنها تمثل عقدة جغرافية واقتصادية تربط شمال سوريا بجنوبها وشرقها بغربها، وهو ما جعل أي تطور عسكري فيها ينعكس مباشرة على مجمل المشهد السوري.
ويقول الصالح إن حلب كانت طوال التاريخ مفتاح السيطرة على شمال سوريا، ومن يملك التأثير فيها يملك قدرة كبيرة على التأثير في التوازنات داخل البلاد، بل وفي علاقات القوى الإقليمية أيضاً، لذلك كانت دائماً محط اهتمام دولي واسع خلال سنوات الحرب.
ويضيف إن أي تغير كبير في وضع حلب لا ينعكس على الداخل السوري فقط، بل يمتد تأثيره إلى دول الجوار، وإلى ملفات دولية مرتبطة بالأمن والهجرة والطاقة والتوازنات السياسية في الشرق الأوسط.
ذاكرة مفتوحة
بعد أكثر من عقد ونصف العقد على بداية الثورة، لا تزال حلب تمثل رمزاً لمرحلة طويلة من الصراع، بما حملته من تحولات عسكرية وسياسية وإنسانية عميقة، وبما تركته من آثار ما زالت حاضرة في حياة السوريين.
وبينما تختلف الروايات حول كثير من تفاصيل تلك السنوات، يبقى اتفاق معظم الباحثين على أن حلب كانت — ولا تزال — واحدة من أهم المدن التي شكلت مسار الحرب السورية، وأن ما جرى فيها سيظل جزءاً أساسياً من تاريخ المنطقة في القرن الحادي والعشرين.