الحرية – إلهام عثمان:
في خطوة تهدف إلى بناء مستقبل صحي واقتصادي أكثر استقراراً، تخطط وزارة المالية لإضافة مجموعة من الضرائب الانتقائية على السلع الضارة بالصحة, هذا القرار، الذي يضع سوريا في مسار الممارسات الضريبية العالمية، لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى رؤية استراتيجية أوضحها وزير المالية محمد يسر برنية في تصريح سابق له.
الذي أوضح أنه من خلال التركيز على سلع مثل السجائر ومشروبات الطاقة والمنتجات عالية السكر، تُقدّم الدولة حلاً ثلاثي الأبعاد: حماية صحة المواطن عبر الحد من الاستهلاك حسب توصيات منظمة الصحة العالمية، وحماية الاقتصاد الوطني بمحاربة التهريب ودعم المنتج المحلي النظامي، وترميم القطاع الصحي عبر توجيه إيرادات هذه الضرائب لدعم الضمان الصحي والخدمات العلاجية.
ويؤكد الوزير أن العدالة والتنافسية هما جوهر النظام الجديد؛ فهو مصمم ليكون منصفاً، ومراعياً للدخل المحدود، وألا تتجاوز أعباؤه نظيراتها في الدول المجاورة، ما يحفظ التوازن ويشجع على الامتثال.
لكن.. في قلب هذا التوجه التصحيحي الواعد، يبرز سؤال حتمي يفرض نفسه على طاولة النقاش: هل ستحقق هذه الضريبة الصحية أهدافها المرجوة في تغيير سلوك المستهلك وتحسين الصحة العامة، أم إن ضغوط الواقع الاقتصادي قد تحوّلها إلى حافز لتوسع السوق السوداء وتوجه المستهلك نحو بدائل أكثر رخصاً وبالتالي أكثر ضرراً؟
الضرائب تشعل “الأراكيل”
وفقًا للمعلومات المتداخلة حول المسودة، فإن باكيت الدخان الواحد سيحمل ضريبة جديدة بقيمة 0.85 دولار، بينما ترتفع هذه الضريبة بشكل ملحوظ لتصل إلى 1.75 دولار لكل باكيت معسل، أما مشروبات الطاقة، فكل عبوة ستُفرض عليها ضريبة قدرها 1.3 دولار.
بالإضافة لفرض ضرائب على استهلاك النرجيلة في المقاهي والمطاعم، حيث سيتم تحميل كل “رأس أركيلة” ضريبة قيمتها 2.6 دولار، وتتضاعف الضريبة لتصل إلى 5.2 دولار عند أي عملية تجديد للرأس خلال الجلسة الواحدة.
خيارات مخففة لكنها غير معدومة
أما الضرائب المفروضة على المشروبات الغازية والعصائر فهي أقل حدة، وإن لم تكن معدومة, فعبوة الكولا “التنك” الصغيرة (250 مل) ستخضع لضريبة 0.25 دولار، بينما سترتفع إلى 0.40 دولار لعبوة الـ 330 مل، أما عبوة اللتر الواحد، فستحمل ضريبة 0.5 دولار.
الملفت للنظر هنا هو إعفاء العبوات العائلية من الكولا، حيث تم تصنيفها كمنتج “شعبي”، وهو ما يمثل استثناءً يحمل دلالات حول محاولة الحكومة تخفيف العبء عن الأسر، ولكنه قد لا يحل إشكالية الاستهلاك المتزايد للمشروبات السكرية.
61 مادة قيد الدراسة
لا تتوقف خطط وزارة المالية عند هذه السلع، إذ تشير المعلومات إلى أن هناك قائمة تضم 61 مادة استهلاكية أخرى تخضع حاليًا للدراسة والتقييم، تمهيدًا لفرض ضرائب عليها بعد انقضاء شهر رمضان، هذه الخطوة الموسعة تشير إلى توجه حكومي نحو توسيع القاعدة الضريبية، ما ينذر بتغيرات هيكلية قد تمس نمط الإنفاق الاستهلاكي بشكل جذري.
بكر: الإجراءات الضريبية رغم قدرتها على رفد الخزينة العامة إلا أنها تتطلب دراسة متأنية لتأثيرها المحتمل على القوة الشرائية للمواطنين
توازن صعب
تعليقًا على هذه المستجدات، أكد الخبير الاقتصادي محمد بكر أن هذه الإجراءات الضريبية، رغم قدرتها على رفد الخزينة العامة، إلا أنها تتطلب دراسة متأنية لتأثيرها المحتمل على القوة الشرائية للمواطنين.
وفي تصريح خاص لـ” الحرية”، أوضح بكر أن فرض ضرائب مرتفعة على سلع استهلاكية قد يؤدي إلى إعادة توجيه الإنفاق الاستهلاكي، وربما يشجع المستهلكين على التحول نحو بدائل أرخص ثمناً، وهو ما قد يؤثر سلبًا على بعض القطاعات الاقتصادية التي تعتمد على هذه المنتجات.
كما شدد بكر على أهمية التوازن بين الأهداف المالية للدولة وحماية المستهلك، معتبرًا أن تصنيف بعض المنتجات كـ ‘شعبية’ وإعفاءها من الضرائب يعد خطوة إيجابية لضمان عدم تحميل الفئات ذات الدخل المحدود أعباء إضافية.
كما لفت الخبير الاقتصادي إلى أن دراسة 61 مادة استهلاكية لفرض ضرائب عليها يتطلب شفافية تامة في عرض مبررات هذه الضرائب وآلية تطبيقها، لضمان قبولها المجتمعي، ومن المعلوم أن تأثير هذه الضرائب لن يقتصر على الأسعار فحسب، بل قد يشمل أيضًا سلوكيات المستهلكين على المدى الطويل، داعيًا إلى ضرورة إجراء تقييم مستمر لهذه السياسات ومدى فعاليتها في تحقيق أهدافها دون الإضرار بالاقتصاد الوطني أو حياة المواطنين.
رضا: بسبب ارتفاع الأسعار قد يلجأ البعض إلى البدائل الأقل تكلفة والتي قد تكون في كثير من الأحيان أقل جودة أو حتى أكثر ضررًا وخطورة بالصحة على المدى الطويل
التحول نحو عادات غير صحية
من جانبها ترى الخبيرة الإجتماعية آية رضا أن فرض ضرائب مرتفعة على سلع تعتمد عليها شرائح واسعة من المجتمع، قد تلجئ البعض إلى البدائل الأقل تكلفة، والتي قد تكون في كثير من الأحيان أقل جودة أو حتى أكثر ضررًا بالصحة على المدى الطويل، مثل الدخان المغشوش أو ما شابه.
مردفة: إن هذا الإجراء قد يمس بشكل مباشر قطاعًا سياحيًا وخدميًا يعتمد على هذه المنتجات، خاصةً في أوساط الشباب, يمكن أن تخلق نوعًا من الشرخ الاجتماعي، حيث قد يُنظر إليها كعبء إضافي يقع على كاهل فئات معينة، بينما تستفيد فئات أخرى أو لا تتأثر بنفس القدر.
وتشدد رضا على أن الحكومة بحاجة لوضع خطط متوازنة، مع التوعية بمخاطر الإفراط في استهلاك هذه المنتجات، وتشجيع البدائل الصحية، بدلًا من الاكتفاء بالجانب المالي فقط، وأن المسألة ليست مجرد زيادة إيرادات، بل هي تتعلق بتشكيل سلوك مجتمعي وصحي، وهنا تكمن المسؤولية الاجتماعية للقرار, لذلك لابد من خطوة مدروسة تهدف إلى تحقيق استدامة مالية، مع ضرورة وضع الحلول الاجتماعية والتوعوية اللازمة لتخفيف آثارها, لافته إلى ضرورة التوقيت المناسب لتنفيذ هذا الذي يراعي مستويات الدخل.
حبزة: اعتماد جداول رسمية وبيانات دقيقة لتسليم هذه المواد للبائعين لضمان عدم استغلال القرار لرفع الأسعار بشكل مضاعف أو خلق سوق سوداء
سيف ذو حدين
في ذات السياق بين أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حبزة أنه وعلى الرغم من عدم وضوح الأرقام الدقيقة لهذه الضرائب بعد، إلا أن الموضوع يحمل جانبين: أولهما: الجانب الإيجابي، إذ أوضح حبزة أن معظم دول العالم تفرض ضرائب مماثلة بهدف الحد من استهلاك هذه المواد، ما ينعكس إيجاباً على صحة المواطنين، وأن هذا التوجه ضروري ويجب تنفيذه، مذكراً بمرسوم جمهوري سابق بمنع التدخين في الأماكن العامة والمغلقة للحد من أضراره إلا أن تنفيذه لم يكن صحيحاً.
و عن الجانب السلبي، يرفض حبزة أن يكون الغرض من هذه الضرائب مجرد تأمين دخل إضافي للحكومة أو باباً للمنفعة المادية، كما أعرب عن قلقه من تأثير هذه الضرائب على ميزانية العائلات، خاصة تلك التي تضم أفراداً يعانون من الإدمان على التدخين، مشيراً إلى أن فرض مبالغ كبيرة (مثل دولار أو دولارين على العبوة الواحدة) هو أمر غير منطقي ولا يتناسب مع دخل الأسر.
المقترحات والحلول البديلة
من المقترحات لضمان نجاح القرار وتقليل آثاره السلبية حسب رأي حبزه, التدرج في التنفيذ، عبر إصدار تعليمات وتعاميم متلاحقة، ليتسنى للمواطن التأقلم مع الوضع الجديد بدلاً من المفاجأة الصادمة، ودراسة الحالة النفسية والمادية للمواطن قبل إصدار مثل هذه القرارات، واختيار التوقيت المناسب الذي يراعي مستويات الدخل.
كما يرى حبزة أن فرض ضرائب على العبوات العائلية المخصصة للاستهلاك المنزلي هو خطأ فادح، حيث إن هذه العبوات تختلف في تركيزها واستخدامها عن العبوات الفردية أو المخصصة للمقاهي.
وشدد حبزة على ضرورة تشديد الرقابة الحكومية لمنع التلاعب والتهريب، باعتماد جداول رسمية وبيانات دقيقة لتسليم هذه المواد للبائعين، على غرار التعامل مع المواد المخدرة أو النفسية في الصيدليات، وضبط الكميات المسلمة بالعدد لضمان عدم استغلال القرار لرفع الأسعار بشكل مضاعف أو خلق سوق سوداء، وختم حبزة بأن الحكم النهائي على القرار يعتمد على طريقة تنفيذه والتعاميم التي ستصدر لاحقاً، مع التأكيد المستمر على أهمية الرقابة الصارمة لحماية المستهلك من الاستغلال والتهريب.
دراسة متأنية
وفي ذات السياق ختم بكر بأن الإجراءات الضريبية الجديدة، رغم إمكانية مساهمتها في تعزيز الإيرادات الحكومية، إلا أنها تفرض ضرورة ‘دراسة متأنية’.