حوكمة “إتلاف النقد” ركيزة للاستقرار المالي وحماية الاقتصاد الكلي

مدة القراءة 3 دقيقة/دقائق

الحرية- لوريس عمران: 

​يمثل إعلان الجهاز المركزي للرقابة المالية عن إشرافه المباشر على عمليات استلام وفرز وإتلاف الكتلة النقدية السورية القديمة خطوة تتجاوز الإجراء الإداري الروتيني، لتدخل في صلب العمليات السيادية التي تهدف إلى ضبط الإيقاع النقدي وحماية الاقتصاد الكلي.

إن هذه العملية التي تبدأ من لحظة تسلم الأوراق النقدية في فروع المحافظات وصولاً إلى المراكز المخصصة للإتلاف، تشكل حلقة أمان ضرورية لضمان عدم تسرب أي جزء من هذه الكتلة خارج القنوات الرسمية، وهو ما نطلق عليه في الأدبيات الاقتصادية “صيانة نزاهة النقد المتداول”.

​التحصين الرقابي ومنع التضخم الوهمي

​وفي هذا السياق أشار الخبير الاقتصادي في جامعة اللاذقية الدكتور علي ميا إلى أن الدور الرقابي للجهاز في هذه المرحلة يعد صمام أمان حقيقي لمنع ما يسمى التسرب النقدي العكسي.

وأكد الدكتور ميا لـ “الحرية” أن وجود جهة رقابية مستقلة تتابع تفاصيل الفرز والإتلاف يقطع الطريق أمام أي محاولات لإعادة ضخ العملة المنسحبة من التداول في الأسواق بطرق غير قانونية، معتبراً أن هذا الإجراء يحمي القيمة الاعتبارية للعملة الجديدة ويمنع حدوث تضخم وهمي ناتج عن ازدواجية الكتلة النقدية، حيث إن أي تداخل بين النقد القديم والجديد سيؤدي حتماً إلى تآكل القوة الشرائية وزعزعة استقرار الأسعار.

​تعزيز الشفافية ودقة البيانات النقدية

​كما لفت الدكتور ميا إلى أن التنسيق الوثيق بين الجهاز المركزي للرقابة المالية ومصرف سوريا المركزي يعكس رغبة حقيقية في تكريس مبدأ الشفافية المطلقة في إدارة المال العام، موضحاً أن هذه الرقابة الميدانية تسهم في تدقيق القيود المحاسبية ومطابقتها مع الواقع الفعلي للكميات التالفة، ما يمنح راسمي السياسة النقدية قاعدة بيانات صلبة ودقيقة حول حجم السيولة المتبقية في الأسواق.

واضاف إن دقة هذه البيانات هي المحرك الأساسي لاتخاذ قرارات مدروسة بشأن إدارة العرض النقدي، وهو أمر حيوي لضمان التوازن بين الإنتاج والاستهلاك في الاقتصاد الوطني.

​​وبيّن ميا في تحليله أن هذه الإجراءات تتجاوز البعد التنظيمي لتصل إلى حماية النظام المصرفي من مخاطر العملات المزورة أو المشبوهة التي قد تظهر أثناء عمليات الفرز الدقيق، معتبراً أن تنظيف السوق من الأوراق النقدية القديمة والمهترئة تحت إشراف رقابي صارم يرفع من كفاءة التداول المالي.

وأكد ميا أن هذه الخطوة تسهل المعاملات التجارية والآلية عبر الصرافات ونقاط البيع، وتقلل في الوقت نفسه من تكاليف إدارة النقد اللوجستية التي تتحملها الدولة، ما ينعكس إيجاباً على سرعة الدوران النقدي داخل القنوات الرسمية.

​بناء الثقة واستدامة التعافي الاقتصادي

​وأضاف الدكتور ميا إن الأثر النفسي لهذه الخطوة على الشارع والفعاليات التجارية لا يقل أهمية عن أثرها التقني، كونها تعزز ثقة المواطن بالسياسات النقدية المعتمدة وتؤكد جدية الدولة في مكافحة الهدر والتجاوزات تحت مظلة القوانين النافذة.

وشدد على أن حوكمة عملية الإتلاف هي رسالة استقرار قوية للأسواق تساهم في لجم الشائعات والمضاربات، وتضع حجر الزاوية لبناء نظام مالي متين وقادر على دعم مرحلة التعافي الاقتصادي المنشودة بمرونة وشفافية عالية، بما يضمن حقوق الدولة والمواطن على حد سواء.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار