حين تشتعل الجبهات.. ترتفع كلفة الطاقة وتتغير الحسابات

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية_رشا عيسى:

تفرضُ المواجهة الأميركية–الإيرانية إيقاعها على اقتصاد الإقليم قبل أن تُحسم في الميدان. فكل تصعيد بين واشنطن وطهران لا ينعكس فقط في حسابات الردع والسياسة، بل يتسلل سريعاً إلى أسواق الطاقة، ويعيد تسعير المخاطر، ويحرّك بوصلة رأس المال والتجارة، وفي منطقة تشكّل قلب الإمدادات النفطية العالمية ومفترق طرق الشحن البحري، يصبح التوتر العسكري حدثاً اقتصادياً بامتياز، ومن هنا يرى الباحث الدكتور ياسين العلي أن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط باحتمالات المواجهة، بل بكيفية استعداد الاقتصادات الإقليمية — وسوريا تحديداً — لامتصاص موجة إعادة التسعير التي تسبق غالباً أي اشتباك مباشر

تشكيل بنية المخاطر

ويؤكد الدكتور العلي لـ”الحرية” أن هذا النوع من المواجهات يعيد تشكيل بنية المخاطر قبل أن تتبدل الوقائع على الأرض، إذ ترتفع علاوة المخاطر الجيوسياسية في الخليج، ويتحرّك النفط على إيقاع الاحتمالات بقدر ما يتحرك على إيقاع العرض والطلب، وكلما اقترب التوتر من الممرات الحيوية، مثل مضيق هرمز، ارتفعت كلفة التأمين البحري، وأُعيدت جدولة مسارات الشحن، وتغيّرت حسابات شركات الطاقة والتجارة.

يضغط ارتفاعُ الطاقة على بنية الكلفة في سوريا

وبحسب الدكتور العلي، فإن أثر التصعيد على سوريا لا يرتبط بكونها طرفاً مباشراً في المواجهة، بل بكونها جزءاً من المجال الاقتصادي المتأثر بها. فارتفاع أسعار الطاقة العالمية ينعكس على بنية التكاليف المحلية: النقل، الزراعة، الصناعة، والخدمات.


ويشير إلى أن الأثر الأعمق لا يكمن في الزيادة السعرية ذاتها، بل في إعادة تشكيل معمار الكلفة داخل الاقتصاد، فعندما تتبدل كلفة الطاقة، تتبدل معها حسابات الإنتاج والتوزيع والإنفاق العام، وتُفرض مراجعات ضمنية في أولويات الموارد. وهنا لا يعود السؤال: كم ارتفع السعر؟ بل: كيف ستُعاد هندسة الاقتصاد تحت ضغط الكلفة الجديدة؟

مراجعة الكفاءة وتنويع المصادر

ويؤكد الدكتور العلي أن قراءة المرحلة لا ينبغي أن تنحصر في الضغط الآني، فالحروب التي تعيد تسعير الطاقة تفتح في الوقت ذاته ملف الكفاءة، كل ارتفاع في المخاطر العالمية يدفع الاقتصادات الإقليمية إلى مراجعة اعتمادها الخارجي وتعزيز قدرتها التشغيلية الداخلية.
وفي الحالة السورية، يعيد أي اضطراب في تدفقات الطاقة الإقليمية طرح أسئلة جوهرية حول تنويع المصادر، وتحسين إدارة الطلب، وتطوير بدائل أكثر استدامة، وبحسب العلي، فإن الصدمة الخارجية تختبر مستوى التنظيم الداخلي قبل أي شيء آخر.

كلفةُ الشحن و رسمَ خرائط التجارة

ولا يقتصر التصعيد الأميركي–الإيراني على أسعار الطاقة، بل يمتد إلى كلفة الحركة البحرية في الخليج وشرق المتوسط. ومع ارتفاع أقساط التأمين وزيادة الحذر في الممرات البحرية، قد تتباطأ سلاسل الإمداد أو ترتفع تكلفتها.
ويشرح الدكتور العلي أن هذه التحولات قد تنعكس على أسعار السلع الوسيطة وزمن وصولها، لكنها في المقابل تدفع نحو تنويع المسارات والشركاء التجاريين، لافتاً إلى أن الاقتصادات التي توسّع شبكاتها تكون أقل عرضة لتقلب مسار واحد وأكثر قدرة على امتصاص الصدمات.

سلوكَ السوق

ويعتبر العلي أن القناة الأكثر حساسية في الحالة السورية تبقى قناة التوقعات، فالحروب الكبرى لا تنتقل إلى الداخل عبر الأرقام فقط، بل عبر المزاج الاقتصادي،وارتفاع منسوب التوتر قد يدفع إلى سلوك تحوطي في السوق، سواء في الطلب على العملات الأجنبية أو في قرارات الاستيراد والتخزين.
ويضيف أن هذا السلوك ليس أزمة بحد ذاته، بل استجابة طبيعية لارتفاع عدم اليقين، مشدداً على أن وضوح السياسات النقدية والمالية يصبح عاملاً حاسماً في تثبيت التوقعات خلال فترات الاضطراب.

يعيدُ رأسُ المال ترتيبَ أولوياته في الإقليم

وفي سياق أوسع، يرى الدكتور ياسين العلي أن لحظات التصعيد تدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم المخاطر، كما تراجع الصناديق السيادية مستويات انكشافها، وقد تُعاد صياغة بعض التحالفات الاقتصادية.
ويخلص العلي إلى أن المكانة الاقتصادية للدول في مثل هذه اللحظات لا تتحدد بحجم مواردها فقط، بل بقدرتها على توفير بيئة تنظيمية واضحة ومستقرة نسبياً في محيط مضطرب. فحين ترتفع المخاطر الإقليمية، يصبح الوضوح المؤسسي أحد أهم عناصر الجذب، ويتحول الاقتصاد إلى جزء من المعادلة الاستراتيجية، لا مجرد متلقٍ لها.

تختبرُ الأزماتُ البنيةَ لا الحجم

ويشدد الدكتور العلي على أن تأثير الحرب الأميركية–الإيرانية على سوريا ليس أثراً ميكانيكياً مباشراً، بل تفاعل متعدد القنوات: طاقة، تجارة، توقعات، وتحالفات، غير أن العامل الحاسم يبقى في درجة الجاهزية الداخلية والتاريخ الاقتصادي، كما يقول العلي، لا يميّز بين من واجه الأزمات ومن تجنبها، بل بين من استطاع تحويلها إلى لحظة إعادة تنظيم، ومن اكتفى بالتكيّف المؤقت معها. ففي أزمنة الاضطراب، لا يُختبر حجم الاقتصاد بقدر ما تُختبر بنيته.لى سوريا

Leave a Comment
آخر الأخبار