بين الكمالي والضروري.. خبير يضع خارطة طريق للاقتصاد السوري في مرحلة إعادة الإقلاع

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – إلهام عثمان:

بين منحنيات النمو ومؤشرات التضخم، حيث تتصادم سياسات التشغيل مع تحديات الإنتاج، تبقى المعادلة الأصعب هي تلك التي توازن بين ما هو ضروري وما هو كمالي، ليس في جداول الأرقام وحدها نقرأ مستقبل الأمم، بل في قدرتها على إعادة تعريف أولوياتها حين تشتد العواصف، وحين يغدو السؤال الأساسي: كيف نصنع من الندرة وفرة، ومن الضرورة انطلاقاً؟

في قراءة متأنية لواقع الاقتصاد السوري في مرحلة إعادة الإقلاع، ومن خلال حوار خاص لـ “الحرية”، يرى الدكتور عامر خربوطلي، مدير عام غرفة تجارة دمشق، أن الرفاهية ستبقى أمراً طارئاً سواء على مستوى الأفراد أو الكيانات وحتى الدول، لأنها تحتاج لعوامل رسوخ واستدامة ليست أصلاً من طبع الحياة المتقلبة وهي دوماً ما بين عسر ويسر وغنى وفقر.

الدورات الإقتصادية..

ويشير خربوطلي إلى أن الاقتصاد بطبيعته، كأحداث وتوازنات وقواعد، دوماً متغير ومتقلب، متنقلاً بين الانكماش والركود وبين التوسع والازدهار، وهنا يوضح الخبير أن هذه التقلبات، التي تُعرف اصطلاحاً بـ “الدورات الاقتصادية”، هي تقلبات منتظمة وغير منتظمة في النشاط الاقتصادي الكلي لأي دولة أو منظمة، تمتد على مدى فترة زمنية وتلقي بظلالها على مؤشرات رئيسية مثل الناتج المحلي الإجمالي والتشغيل والاستثمار والاستهلاك.

ما يعني ببساطة أن حالة الازدهار مهما طالت لن تكون حالة مستمرة ومهيمنة، هذا ما أوضحه خربوطلي، ففي نقطة زمنية معينة، لا بد لها أن تتغير، إما بفعل كينونة التغير والتبدل ذاتها، أو بفعل الظروف والأحداث الطارئة، وفي مقدمتها الحروب والكوارث والأوبئة، وهنا يبرز دور ما يسمى اصطلاحاً “باقتصاد الضرورة”.

خربوطلي: علينا إعادة تعريف “القيمة” في المرحلة الراهنة

ما هو اقتصاد الضرورة؟

يشرح أن اقتصاد الضرورة هو نمط اقتصادي ينمو في ظروف استثنائية، يتحول خلاله الهدف الأساسي للنشاط الاقتصادي من تحقيق الفائض والربح إلى أهداف مختلفة. تتركز هذه الأهداف على تأمين متطلبات البقاء والاحتياجات الأساسية، مع التركيز على سلاسل الإمداد المحلية للسلع والمواد، بدلاً من الاعتماد على الخارج عبر الاستيراد وقطع المسافات الطويلة غير الآمنة والمكلفة.

بلورة القيمة

ويضيف خربوطلي إن هذا النمط الاقتصادي يتطلب التركيز على تغيير أنماط الاستهلاك، من الاستهلاك الكمالي إلى الاستهلاك الأساسي المتاح والمتوفر محلياً، والأهم من ذلك، وفقاً للخبير، أن اقتصاد الضرورة يعيد تعريف “القيمة” في هذه الحالة، فلم تعد القيمة فيما يملكه الأفراد أو الدولة من أموال، بل في القدرة على تأمين المواد الكافية من غذاء وطاقة بشكل متواتر ومستقر وغير مكلف.

أولويات المرحلة: لماذا لا نحتاج للرفاهية اليوم؟

يؤكد د.خربوطلي أن الاقتصاد السوري في مرحلة إعادة إقلاعه الجديد لا يحتاج لأي مظاهر رفاهية مفرطة وغير مبررة، ولا للمشاريع الكمالية أو السلع المستوردة غير الضرورية، ففي ظل ظروف المنطقة والحروب الدائرة التي تلقي بظلالها بقوة، يصبح التركيز على الأولويات والاحتياجات المعيشية ضرورة حتمية للصمود في وجه التحديات الداخلية والخارجية وتداعيات حروب المنطقة.

ويتابع الخبير: “علينا التركيز على الاقتصاد بكل شيء”، في إشارة إلى ضرورة التأني والانتقال بخطى مدروسة ريثما يتم بناء قاعدة استثمارية زراعية وصناعية وخدمية قادرة بنفسها على توليد قيم مضافة جديدة. هذه القاعدة هي التي ستزيد من الناتج المحلي الإجمالي والفردي، وتخلق المزيد من فرص العمل، وبالتالي تزداد الدخول ويتحسن الاستهلاك الذي يعد المحرك الأساسي للنشاط الاقتصادي.

خربوطلي: تتركز الأهداف على تأمين متطلبات البقاء والاحتياجات الأساسية.. مع التركيز على سلاسل الإمداد المحلية للسلع والمواد.. بدلاً من الاعتماد على الخارج

تجارب عالمية تؤكد القاعدة

ما يطرحه خربوطلي ليس تنظيراً أكاديمياً فحسب، بل هو خلاصة تجارب دول عديدة، لافتاً إلى أن اقتصاد الضرورة مرت به جميع الدول التي خرجت من الحروب والأزمات والكوارث، وحتى تلك التي تعيش في ظروف سياسية وأمنية واقتصادية قلقة، فعلى سبيل المثال ووفق رؤيا الخبير شهدت أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية مرحلة تقشف قاسية قبل أن تنطلق في مسيرة التعافي والإعمار التي قادت إلى ما يعرف بالمعجزة الاقتصادية. التجربة ذاتها تكررت في العديد من دول شرق آسيا التي حولت الأزمات إلى فرص لإعادة البناء على أسس متينة.

ويخلص خربوطلي إلى أن المرور بمرحلة اقتصاد الضرورة يبقى الضمان الأكيد لمرحلة مستقبلية جديدة من الرفاه والازدهار، فهي ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لبناء أساس صلب ينطلق منه الاقتصاد الوطني نحو آفاق أرحب.

Leave a Comment
آخر الأخبار