لمواجهة الاستحقاقات المستقبلية.. ضرورة وجود خريطة طريق اقتصادية “من التعافي إلى النهوض المستدام”

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية- ربا أحمد:

شهدت سوريا خلال سنوات طويلة تخبطاً اقتصادياً كبيراً ترك أثره على جميع الأسر السورية وعلى مر الأجيال المتعاقبة، وبالتالي الاستحقاقات الاقتصادية السورية اليوم ليست مجرد بنود على أجندة حكومية، بل أصبحت “معركة وجودية” تتطلب الانتقال الجذري من عقلية “إدارة الأزمة” إلى عقلية “صناعة النمو”.
فهل الحل هو عبر الانتقال إلى الاقتصاد الحر كما يروج له بعض الاقتصاديين؟ أم إن تشابك الاقتصادي بالسياسي، والمحلي بالدولي، يفرض إعادة ترتيب الأولويات وفق رؤية ديناميكية.

استحقاقات عاجلة

الخبير الاقتصادي شادي أحمد يرى في تصريحه لـ”الحرية”، أن الاستحقاقات العاجلة هي “اقتصاد الكرامة والمعيشة” ، ففي ظل التضخم الذي استنزف المدخرات، لم يعد رفع الرواتب التقليدي كافياً، بل يجب التركيز على الأمان الاجتماعي الرقمي أولاً أي الانتقال من الدعم السلعي العشوائي إلى “الدعم النقدي الذكي” الموجه بدقة عبر قاعدة بيانات وطنية موحدة، لضمان وصول الموارد لمستحقيها الفعليين.

ثم سيادة الطاقة والغذاء، بدعم الزراعة التعاقدية والصناعات المرتبطة بها، مع منح تسهيلات غير مسبوقة لاستثمارات الطاقة البديلة كحل إسعافي لقطاعات الإنتاج المتعثرة. ويليها تحفيز القوة الشرائية، عبر أدوات مالية غير تقليدية تشمل تخفيض الضرائب غير المباشرة على السلع الأساسية وكسر حلقات الاحتكار في سلاسل التوريد.

استحقاقات مستقبلية

ويضيف الأحمد: الاستحقاقات المستقبلية “بناء الهوية الاقتصادية الجديدة” هي الخطوة التالية للاستحقاقات المستعجلة وذلك عن طريق: أولاً سوريا المركزية أي بتصميم هوية اقتصادية تجعل من سوريا “عقدة ربط” إقليمية (لوجستياً ورقمانياً)، وليست مجرد سوق للاستهلاك.
ومن ثم الثورة الإدارية والحوكمة أي استبدال الإصلاح الإداري الورقي بـ “الحوكمة الرقمية” الكاملة؛ فالشفافية التقنية هي الكفيلة بتجفيف منابع الفساد من جذورها.
وآخرها استثمار “الشتات السوري” وذلك إعادة بناء الجسور مع رأس المال البشري السوري في الخارج، ليس فقط لطلب الحوالات، بل لجذب الخبرات والاستثمارات في مشاريع تقنية وصناعية.

الاستحقاقات النقدية والإنتاجية

وهنا يؤكد الأحمد على أن تكون “الليرة كأداة للنمو” عبر جملة من الخطوات أهمها استعادة الثقة النقدية، فلا يمكن استعادة وظائف الليرة (الادخارية والتبادلية) إلا بربط الكتلة النقدية بـ”إنتاج حقيقي” ملموس، وليس عبر السياسات النقدية الانكماشية وحدها.
ويليها العدالة المكانية في التنمية عبر الانتقال من “تنمية المراكز” إلى “محاور التنمية الإقليمية”؛ بحيث تصبح كل محافظة قطباً اقتصادياً مستقلاً بناءً على ميزاتها التنافسية (سياحة، تعدين، زراعة).
ومن ثم التشاركية الشعبية عن طريق تحويل المواطن من مستهلك إلى “مساهم” عبر شركات المساهمة العامة، لضمان توزيع عادل للناتج المحلي الإجمالي وبناء طبقة وسطى جديدة.

الاقتصاد السياسي

وأشار الأحمد إلى أن مرحلة التعافي تنطلق من اقتصاد سياسي حقيقي أي “الدبلوماسية المنتجة”، وذلك بتصفير المشكلات الإنتاجية وبناء شراكات استراتيجية مع التكتلات الصاعدة لضمان تدفق الاستثمارات بعيداً عن تقلبات الضغوط السياسية الغربية.
إضافة إلى دمج القوى المجتمعية بإشراك الفعاليات الاقتصادية والمنظمات الأهلية في صنع القرار الاقتصادي، لضمان أن تكون التشريعات نابعة من حاجة السوق.

تعظيم القيمة والموارد المضافة

ويفترض الأحمد أن إتقان تعظيم القيمة والمواد المضافة خطوة مهمة جداً، موضحاً أن الأمر يكون بالانتقال من “الخام” إلى “التام” وذلك وضع جدول زمني صارم لمنع تصدير أي مورد طبيعي (فوسفات، نفط، منتجات زراعية) بشكل خام، وفرض تصنيعها محلياً لرفع القيمة المضافة وخلق فرص عمل.
إلى جانب تحويل القطاعات المستنزفة إلى رافدة أي تحويل التعليم والصحة والسياحة إلى قطاعات “تصديرية” (عبر السياحة العلاجية والتعليم العالي للأجانب وتصدير البرمجيات)، ما يحولها من عبء على الخزينة إلى مصدر للقطع الأجنبي.
ومن ثم التركيز على الاستثمار اللامادي بإطلاق برنامج وطني لـ”اقتصاد المعرفة” وابتكارات الذكاء الاصطناعي، ليكون المحرك الجديد للاقتصاد السوري في العقد القادم.

خلاصة القول

إن الاستحقاق الأكبر في عام 2026 هو “الثقة”؛ ثقة المواطن بمستقبله، وثقة المستثمر بالقانون، وثقة العالم بقدرة سوريا على النهوض، إنها لحظة التحول من “الاقتصاد الجريح” إلى “الاقتصاد الواعد”.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار