الحرية– مركزان الخليل:
في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، وحالة الترهل وضعف مصادر الدخل، وتآكل المقدرات بسبب الأزمات المتلاحقة وحالات الفساد التي أرهقت جسم الدولة سابقاً، قامت الحكومة باتخاذ خطوة مهمة عبر زيادة الرواتب في القطاع العام بنسبة 50%، هذه الزيادة التي قد تؤدي إلى تحفيز النشاط الاقتصادي على المدى القصير، لكن تثير الكثير من التساؤلات حول تأثيراتها الفعلية على التضخم والنمو الاقتصادي في المستقبل، وهنا يقدم الخبير الاقتصادي مهند الزنبركجي خبرته التحليلية بصورة مفصلة حول طبيعة هذه الزيادة وآثارها المحتملة على الاقتصاد الوطني على المديين القصير والطويل أيضاً.
تحريك مفاصل الاقتصاد
وفي رأي الخبير ” الزنبركجي” من المتوقع أن تسهم الزيادة الأخيرة في الرواتب في تحريك الاقتصاد السوري من خلال ضخ سيولة إضافية في السوق، إذا افترضنا أن عدد المستفيدين من الزيادة، سواء من الموظفين الحكوميين أو المتقاعدين، يتراوح بين 1.2 إلى 1.5 مليون شخص، فإن زيادة الرواتب بمتوسط 300 ألف ليرة شهريًا تعني إضافة سيولة قد تصل لأكثر من 450 مليار ليرة سورية شهريًا، وعلى مدار السنة قد تصل لأكثر من 5.4 تريليون ليرة سورية. ومن المتوقع أن تتحول غالبية هذه السيولة إلى استهلاك مباشر، خاصة في السلع الأساسية مثل الغذاء والنقل والطاقة، ما يعني تنشيطًا ملحوظًا للأسواق المحلية الصغيرة في المدى القصير.
الزيادة تحفز الاستهلاك لكنها لا تضمن نموًا اقتصاديًا مستدامًا في غياب الإصلاحات اللازمة في القطاعات الإنتاجية.
طاقة انتاجية منخفضة تحتاج المعالجة
وبالتالي في الوقت الذي يترقب فيه المواطنون تحسنًا في أوضاعهم المعيشية، يرى الزنبركجي أن زيادة الطلب نتيجة لزيادة الرواتب قد تساهم في تعزيز التضخم. ويرجع ذلك إلى أن الاقتصاد السوري يعاني من طاقة إنتاجية منخفضة بسبب تراجع القطاعات الإنتاجية كالصناعة والزراعة، ما يعني أن زيادة الطلب لن تترجم بالضرورة إلى زيادة في الإنتاج.
وعند حدوث هذا التفاوت بين الطلب والإنتاج، يحدث ما يُعرف اقتصاديًا بـ “تضخم الطلب”، حيث يترتب على زيادة الاستهلاك ارتفاع في الأسعار، وعلى الرغم من أن هذا قد يؤدي إلى تحريك بعض القطاعات الاستهلاكية مثل التجارة الداخلية والنقل، إلا أن تأثيره على النمو الاقتصادي الحقيقي سيكون محدودًا.
تحفيز الطلب المحلي
وهنا يرى الزنبركجي أن الزيادة في الرواتب على الرغم من أهميتها الاجتماعية، لن تُسهم بشكل كبير في النمو الاقتصادي على المدى الطويل ما لم يتم دعمها بتدابير اقتصادية أخرى. في أفضل الحالات، قد تساهم السيولة الجديدة في تحفيز الطلب المحلي بنسبة لا تتجاوز 2% من النشاط الاقتصادي القصير الأجل، ومع ذلك في حال استمرار التضخم أو ارتفاع سعر الصرف نتيجة زيادة الكتلة النقدية، فإن هذا قد يقلل من التأثير الإيجابي لهذه الزيادة.
مخاطر مستقبلية
ضمن هذه الايجابية للزيادة حذر الزنبركجي من أن الزيادة في الرواتب قد تُترجم إلى تضخم إذا لم تُرافقها إجراءات اقتصادية شاملة، مثل تحسين الإنتاج المحلي وتعزيز الاستقرار النقدي، إذ إن الزيادة في الرواتب إذا تم تمويلها من توسع في الإنفاق الحكومي دون مرافقته بنمو حقيقي في الإنتاج أو الإيرادات، قد تؤدي إلى ارتفاعات ملحوظة في الأسعار على المدى القصير.
تحفيز قطاعات الإنتاج
بالإضافة إلى تحسين الأوضاع المعيشية، يشدد الزنبركجي على ضرورة التركيز على الإصلاحات الاقتصادية التي تركز على تحفيز القطاعات الإنتاجية، مثل الصناعة والزراعة. كما يجب أن يتم تخفيض تكاليف الطاقة، وتوفير التمويل اللازم للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتشجيع الاستثمار المحلي، بدون هذه التدابير، ستبقى الزيادة في الرواتب أقرب إلى مجرد أداة لتخفيف الضغط الاجتماعي بدلاً من أن تكون خطوة نحو نمو اقتصادي مستدام.
في نهاية الأمر
تؤكد زيادة الرواتب الأخيرة في القطاع الحكومي أهمية دعم الاقتصاد المحلي وتحفيز الاستهلاك، لكنها لا تضمن نموًا اقتصاديًا مستدامًا في غياب الإصلاحات اللازمة في القطاعات الإنتاجية. لتحقيق فوائد حقيقية، ينبغي أن يرافق هذه الزيادة خطوات استراتيجية تهدف إلى تحفيز الإنتاج المحلي، استقرار العملة، وتوسيع الاستثمار المحلي.