الحرية ـ سراب علي :
تمثل زيارة الرئيس السوري إلى ألمانيا وبريطانيا محطة بارزة في مسار التحولات السياسية والاقتصادية التي تشهدها دمشق، لا سيما في ظل الرفع الجزئي للعقوبات الدولية، هذا ما أكده الباحث في الاقتصاد السياسي الدكتور يحيى السيد عمر، وأضاف في تصريحه ل ” الحرية ” أن الزيارة تعكس مسعى واضحاً لإعادة سوريا على خريطة الاقتصاد الدولي بعد سنوات طويلة من التحديات،
وأضاف أن أبرز ما يميز الزيارة هو توقيتها، إذ تأتي تزامناً مع تصاعد الاهتمام الدولي بإمكانات التعاون الاقتصادي مع دمشق.
كما لفت إلى أن التصريحات الألمانية التي اعتبرت أن رفع العقوبات “أرسى الأساس للتعافي الاقتصادي” تشير إلى تحول تدريجي في المقاربة الأوروبية، تميل نحو مزيد من المرونة لاستحداث حلول عملية تلبي متطلبات الواقع الاقتصادي والإنساني، ويمثل هذا التحول منصةً لانطلاق تعاون اقتصادي وإن كان محدوداً إلا أنه يحمل دلالات مهمة.
وأوضح السيد عمر أنه من الناحيةع الاقتصادية تسعى دمشق من خلال هذه الزيارة إلى تحقيق عدة أهداف متوازية، في مقدّمتها جذب الاستثمارات الأجنبية، خاصة في قطاعات البنية التحتية والطاقة وإعادة الإعمار، فالاقتصاد السوري يعاني من تراجع كبير في الإنتاج وارتفاع معدلات التضخم والبطالة ، ما يجعل أيّ انفتاح خارجي فرصة لتحريك عجلة الاقتصاد.
وأشار إلى أن اللقاءات مع مسؤولين ألمان وبريطانيين ورجال أعمال تحمل رسالة واضحة بأن سوريا مستعدة للدخول في شراكات جديدة وفق قواعد أكثر مرونة.
كما تعكس الزيارة رغبة في الاستفادة من الخبرات الأوروبية في مجالات التكنولوجيا والإدارة الاقتصادية، حيث أن ألمانيا وبريطانيا تمتلكان تجارب متقدّمة في إعادة بناء الاقتصادات وتعزيز الكفاءة الإنتاجية، وهو ما تحتاج إليه سوريا في هذه المرحلة، نقل المعرفة والخبرات قد يكون أقل حساسية من الاستثمارات المباشرة، لكنه على المدى المتوسّط يُمثّل عاملاً مهماً في تحسين الأداء الاقتصادي.
ولفت الباحث في الاقتصاد السياسي إلى أن الزيارة تحمل دلالات سياسية تتجاوز الجانب الاقتصادي استقبال الرئيس السوري في عواصم أوروبية كبرى يعكس تغيراً في النهج تجاه الواقع السوري، وبداية خطوة تدريجية نحو تعزيز التواصل مع المجتمع الدولي، وهذا النوع من الانفتاح يُعزّز موقف دمشق في أيّ مفاوضات مستقبلية ويمنحها مساحة أوسع للمناورة.
في المقابل يؤكد السيد عمر لا يعني هذا التحوُّل نهاية العقوبات أو تغيراً جذرياً في المواقف الغربية، ما يجري هو إعادة ضبط للسياسات بما يُحقّق توازناً بين الاعتبارات السياسية والضرورات الاقتصادية والإنسانية،ولذلك فإن النتائج المباشرة للزيارة قد تكون محدودة، لكنها تُمهّد لمسار طويل من الانخراط التدريجي.
وعلى المستوى الداخلي بين السيد عمر أنه تحمل هذه الزيارة رسائل مهمة أيضاً فهي تُعطي إشارات للمجتمع المحلي بأن هناك أفقاً لتحسُّن الوضع الاقتصادي، وأن دمشق تسعى لفتح قنوات جديدة مع العالم، هذا العامل النفسي له تأثير لا يقلّ أهمية عن النتائج الاقتصادية المباشرة، خاصة في ظل الظروف المعيشية الصعبة.
وأضاف : من جهة أخرى تضع هذه الخطوة تحديات أمام الحكومة السورية، أبرزها ضرورة تحسين بيئة الاستثمار وتوفير ضمانات حقيقية للشركاء الدوليين، وأي انفتاح اقتصادي لن يُحقّق نتائجه المرجوة دون إصلاحات داخلية تُعزّز الشفافية وتَحُدّ من البيروقراطية وتدعم القطاع الخاص.
وختم الباحث في الاقتصاد السياسي أن زيارة الرئيس السوري إلى ألمانيا وبريطانيا تمثل مؤشراً على بداية مرحلة جديدة في الإستراتيجية الاقتصادية لدمشق. هذه المرحلة تقوم على الانفتاح الحذر، واستثمار أيّ فرصة لتخفيف الضغوط الاقتصادية، دون التخلّي عن الثوابت السياسية، وأضاف :رغم أن الطريق ما زال طويلًا ومعقداً فإن هذه الزيارة تعكس إدراكاً متزايداً لأهمية التحرُّك الخارجي كجزء أساسي من عملية التعافي الاقتصادي.